فخر الدين الرازي

219

تفسير الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب ، فقال : * ( قل لا أجد فيما أوحي إلي ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة * ( إلا أن تكون ) * بالتار * ( ميتة ) * بالنصب على تقدير : إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة . وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء * ( ميتة ) * بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون * ( إلا أن يكون ميتة ) * أي إلا أن يكون المأكول ميتة ، أو إلا أن يكون الموجود ميتة . المسألة الثانية : لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي . قال : * ( قل لا أجد فيما أوحي إلا محرماً على طاعم يطعمه ) * أي على آكل يأكله ، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات . ثم ذكر أموراً أربعة . أولها : الميتة ، وثانيها : الدم المسفوح ، وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس ، ورابعها : الفسق وهو الذي أهل به لغير الله ، فقوله تعالى : * ( قل لا أجد فيما أوحى إليَّ محرماً ) * إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي ، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول : إني لا أجد فيما أوحي إلي محرماً من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة . واعلم أن هذه السورة مكية ، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل : * ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) * ( النحل : 115 ) وكلمة * ( إنما ) * تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة ، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضاً أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال : * ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ) * وكلمة * ( إنما ) * تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة * ( إنما ) * تفيد الحصر ، فكلمة * ( إنما ) * في الآية المدنية مطابقة لقوله : * ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ) * إلا كذا وكذا في الآية المكية ، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى : * ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) * ( المائدة : 1 ) وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله : * ( إلا ما يتلى عليكم ) * هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل ، وهو قوله : * ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ) * وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل ، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها