فخر الدين الرازي

191

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : في الآية محذوف والتقدير : يوم نحشرهم جميعاً فنقول : يا معشر الجن ، فيكون هذا القائل هو الله تعالى ، كما أنه الحاشر لجميعهم ، وهذا القول منه تعالى بعد الحشر لا يكون إلا تبكيتاً وبياناً لجهة أنهم وإن تمردوا في الدنيا فينتهي حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف بالجرم . وقال الزجاج : التقدير فيقال لهم يا معشر الجن ، لأنه يبعد أن يتكلم الله تعالى بنفسه مع الكفار ، بدليل قوله تعالى في صفة الكفار : * ( ولا يكلمهم الله يوم القيامة ) * ( البقرة : 174 ) . أما قوله تعالى : * ( قد استكثرتم من الإنس ) * فنقول : هذا لا بد فيه من التأويل . لأن الجن لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس ، لأن القادر على الجسم وعلى الأحياء والفعل ليس إلا الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد قد استكثرتم من الدعاء إلى الضلال مع مصادفة القبول . أما قوله : * ( وقال أولياؤهم من الأنس ) * فالأقرب أن فيه حذفاً ، فكما قال للجن تبكيتاً ، فكذلك قال للإنس توبيخاً . لأنه حصل من الجن الدعاء ، ومن الإنس القبول ، والمشاركة حاصلة بين الفريقين ، فلما بكت تعالى كلا الفريقين حكى ههنا جواب الإنس ، وهو قولهم : ربنا استمتع بعضنا ببعض فوصفوا أنفسهم بالتوفر على منافع الدنيا ، والاستمتاع بلذاتها إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي عنده أيقنوا بسوء عاقبتهم . ثم ههنا قولان : الأول : أن قولهم استمتع بعضنا ببعض ، المراد منه أنه استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن ، وعلى هذا القول ففي المراد بذلك الاستمتاع قولان : القول الأول : أن معنى هذا الاستمتاع هو أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض قفر وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت آمناً في نفسه ، فهذا استمتاع الإنس بالجن ، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني ، كان ذلك تعظيماً منهم للجن ، وذلك الجني يقول : قد سدت الجن والإنس ، لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه ، وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج واحتجوا على صحته بقوله تعالى : * ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ) * ( الجن : 6 ) . والوجه الثاني : في تفسير هذا الاستمتاع أن الإنس كانوا يطيعون الجن وينقادون لحكمهم فصار الجن كالرؤساء ، والإنس كالأتباع والخادمين المطيعين المنقادين الذين لا يخالفون رئيسهم ومخدومهم في قليل ولا كثير ، ولا شك أن هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم ، فهذا استمتاع الجن بالإنس . وأما استمتاع الإنس بالجن ، فهو أن الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات واللذات والطيبات ويسهلون تلك الأمور عليهم ، وهذا القول اختيار الزجاج . قال : وهذا أولى من الوجه المتقدم ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( قد استكثرتم من الإنس ) * ومن كان يقول من الإنس أعوذ بسيد هذا الوادي ، قليل .