فخر الدين الرازي
192
تفسير الرازي
والقول الثاني : أن قوله تعالى : * ( ربنا استمتع بعضنا ببعض ) * هو كلام الإنس خاصة ، لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر لا يكاد يظهر . أما استمتاع بعض الإنس ببعض ، فهو أمر ظاهر . فوجب حمل الكلام عليه ، وأيضاً قوله تعالى : * ( وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ) * كلام الإنس الذين هم أولياء الجن ، فوجب أن يكون المراد من استمتاع بعضهم ببعض استمتاع بعض أولئك القوم ببعض . ثم قال تعالى حكاية عنهم : * ( وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ) * فالمعنى : أن ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى أجل معين ووقت محدود ، ثم جاءت الخيبة والحسرة والندامة من حيث لا تنفع ، واختلفوا في أن ذلك الأجل أي الأوقات ؟ فقال بعضهم : هو وقت الموت . وقال آخرون : هو وقت التخلية والتمكين . وقال قوم : المراد وقت المحاسبة في القيامة ، والذين قالوا بالقول الأول قالوا إنه يدل على أن كل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله ، لأنهم أقروا أنا بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ، وفيهم المقتول وغير المقتول . ثم قال تعالى : * ( قال النار مثواكم ) * المثوى : المقام والمقر والمصير ، ثم لا يبعد أن يكون للإنسان مقام ومقر ثم يموت ويتخلص بالموت عن ذلك المثوى ، فبين تعالى أن ذلك المقام والمثوى مخلد مؤبد وهو قوله : * ( خالدين فيها ) * . ثم قال تعالى : * ( إلا ما شاء الله ) * وفيه وجوه : الأول : أن المراد منه استثناء أوقات المحاسبة ، لأن في تلك الأحوال ليسوا بخالدين في النار : الثاني : المراد ، الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير . وروي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد إلى حر الجحيم . الثالث : قال ابن عباس : استثنى الله تعالى قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم . وعلى هذا القول يجب أن تكون " ما " بمعنى " من " قال الزجاج : والقول الأول أولى . لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة ، لأن قوله : * ( ويوم يحشرهم جميعاً ) * هو يوم القيامة . ثم قال تعالى : * ( خالدين فيها ) * منذ يبعثون * ( إلا ما شاء الله ) * من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم . الرابع : قال أبو مسلم : هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود ، وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم ، فكأنهم قالوا : وبلغنا الأجل الذي أجلت لنا ، أي الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى . كقوله تعالى : * ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ) * ( الأنعام : 6 ) وكما فعل في قوم نوح وعاد وثمود ممن أهلكه الله تعالى قبل الأجل الذي لو آمنوا ، لبقوا إلى الوصول إليه فتلخيص الكلام