فخر الدين الرازي
177
تفسير الرازي
محمد عليه الصلاة والسلام طلباً للعز والكرامة ، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم ، فأول ما يوصل إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان ، وفي قوله : * ( صغار عند الله ) * وجوه : الأول : أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في الآخرة ، حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه . والثاني : أنهم يصيبهم صغار بحكم الله وإيجابه في در الدنيا ، فلما كان ذلك الصغار هذا حاله ، جاز أن يضاف إلى عند الله . الثالث : أن يكون المراد * ( سيصيب الذين أجرموا صغار ) * ثم استأنف . وقال : * ( عند الله ) * أي معد لهم ذلك ، والمقصود منه التأكيد ، الرابع : أن يكون المراد صغار من عند الله ، وعلى هذا التقدير : فلا بد من إضمار كلمة " من " وأما بيان الضرر والعذاب ، فهو قوله : * ( وعذاب شديد ) * فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد ، ثم بين أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم . قوله تعالى * ( فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَآءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى . واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا ، فلفظها أيضاً يدل على الدليل القاطع العقلي الذي في هذه المسألة ، وبيانه أن العبد قادر على الإيمان وقادر على الفكر ، فقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية ، فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلاً من الكفر أو الكفر بدلاً من الإيمان ، إلا إذا حصل في القلب داعية إليه ، وقد بينا ذلك مراراً كثيرة في هذا الكتاب ، وتلك الداعية لا معنى لها إلا علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة ، فإنه إذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء ، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أن ظن بكون ذلك الفعل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى