فخر الدين الرازي

178

تفسير الرازي

تركه ، وبينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن يكون من الله تعالى ، وأن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل . إذا ثبت هذا فنقول : يستحيل أن يصدر الإيمان عن العبد إلا إذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة ، وإذا حصل في القلب هذا الاعتقاد مال القلب ، وحصل في النفس رغبة شديدة في تحصيله ، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان . فأما إذا حصل في القلب اعتقاد أن الإيمان بمحمد مثلاً سبب مفسدة عظيمة في الدين والدنيا ، ويوجب المضار الكثيرة فعند هذا يترتب على حصول هذا الاعتقاد نفرة شديدة عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا هو المراد من أنه تعالى يجعل صدره ضيقاً حرجاً ، فصار تقدير الآية : أن من أراد الله تعالى منه الإيمان قوى دواعيه إلى الإيمان ، ومن أراد الله منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان ، وقوى دواعيه إلى الكفر . ولما ثبت بالدليل العقلي أن الأمر كذلك ، ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية ، وإذا انطبق قاطع البرهان على صريح لفظ القرآن ، فليس وراءه بيان ولا برهان . قالت المعتزلة : لنا في هذه الآية مقامان : المقام الأول : بيان أنه لا دلالة في هذه الآية على قولكم . المقام الثاني : مقام التأويل المطابق لمذهبنا وقولنا . أما المقام الأول : فتقريره من وجوه : الوجه الأول : أن هذه الآية ليس فيها أنه تعالى أضل قوماً أو يضلهم ، لأنه ليس فيها أكثر من أنه متى أراد أن يهدي إنساناً فعل به كيت وكيت ، وإذا أراد إضلاله فعل به كيت وكيت ، وليس في الآية أنه تعالى يريد ذلك أو لا يريده . والدليل عليه أنه تعالى قال : * ( لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ) * ( الأنبياء : 17 ) فبين تعالى أنه يفعل اللهو لو أراده ، ولا خلاف أنه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله . الوجه الثاني : أنه تعالى لم يقل : ومن يرد أن يضله عن الإسلام ، بل قال : * ( ومن يرد أن يضله ) * فلم قلتم أن المراد ؟ ومن يرد أن يضله عن الإيمان . والوجه الثالث : أنه تعالى بين في آخر الآية أنه إنما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره ، وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء ، فقال : * ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) * ( الأنعام : 125 ) . الوجه الرابع : أن قوله : * ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ) * فهذا يشعر بأن جعل الصدر ضيقاً حرجاً يتقدم حصوله على حصول الضلالة ، وأن لحصول ذلك المتقدم أثراً في حصول