فخر الدين الرازي
116
تفسير الرازي
البحث الأول : اختلفوا في أن الضمير في قوله : * ( خلقهم ) * إلى ماذا يعود ؟ على قولين : فالقول الأول : إنه عاد إلى * ( الجن ) * والمعنى أنهم قالوا الجن شركاء الله ، ثم إن هؤلاء القوم اعترفوا بأن إهرمن محدث ، ثم إن في المجوس من يقول إنه تعالى تفكر في مملكة نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب ، فتولد الشيطان عن ذلك العجب ، ومنهم من يقول شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان ، فهؤلاء معترفون بأن إهرمن محدث ، وأن محدثه هو الله تعالى فقوله تعالى : * ( وخلقهم ) * إشارة إلى هذا المعنى ، ومتى ثبت أن هذا الشيطان مخلوق لله تعالى امتنع جعله شريكاً لله في تدبير العالم ، لأن الخالق أقوى وأكمل من المخلوق ، وجعل الضعيف الناقص شريكاً للقوي الكامل محال في العقول . والقول الثاني : أن الضمير عائد إلى الجاعلين ، وهم الذين أثبتوا الشركة بين الله تعالى وبين الجن ، وهذا القول عندي ضعيف لوجهين : أحدهما : أنا إذا حملناه على ما ذكرناه صار ذلك اللفظ الواحد دليلاً قاطعاً تاماً كاملاً في إبطال ذلك المذهب ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يظهر منه فائدة وثانيهما : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب ، وأقرب المذكورات في هذه الآية هو الجن ، فوجب أن يكون الضمير عائداً إليه . البحث الثاني : قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( وخلقهم ) * أي اختلاقهم للأفك . يعني : وجعلوا الله خلقهم حيث نسبوا ذبائحهم إلى الله في قولهم : * ( والله أمرنا بها ) * . ثم قال : * ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) * وفيه مباحث : البحث الأول : أقول إنه تعالى حكى عن قوم أنهم أثبتوا إبليس شريكاً لله تعالى . ثم بعد ذلك حكى عن أقوام آخرين أنهم أثبتوا لله بنين وبنات . أما الذين أثبتوا البنين فهم النصارى وقوم من اليهود وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يقولون الملائكة بنات الله وقوله : * ( بغير علم ) * كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع في فساد هذا القول وفيه وجوه . الحجة الأولى : أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته أو لا يكون ، فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر ، ومن كان كذلك لم يكن والد له البتة لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة وأما إن كان ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته ، ومن كان كذلك فيكون عبداً له ولا ولداً له ، فثبت أن من عرف أن الإله ما هو ، امتنع منه أن يثبت له البنات والبنين .