فخر الدين الرازي

117

تفسير الرازي

الحجة الثانية : أن الولد يحتاج إليه أن يقوم مقامه بعد فنائه ، وهذا إنما يعقل في حق من يفنى ، أما من تقدس عن ذلك لم يعقل الولد في حقه . الحجة الثالثة : أن الولد مشعر بكونه متولداً عن جزء من أجزاء الوالد ، وذلك إنما يعقل في حق من يكون مركباً ويمكن انفصال بعض أجزائه عنه ، وذلك في حق الواحد الفرد الواجب لذاته محال ، فحاصل الكلام أن من علم أن الإله ما حقيقته استحال أن يقول له ولد فكان قوله : * ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) * إشارة إلى هذه الدقيقة . البحث الثاني : قرأ نافع * ( وخرقوا ) * مشددة الراء . والباقون * ( خرقوا ) * خفيفة الراء . قال الواحدي : الاختيار التخفيف ، لأنها أكثر والتشديد للمبالغة والتكثير . البحث الثالث : قال الفراء : معنى * ( خرقوا ) * افتعلوا وافتروا . قال : وخرقوا واخترقوا وخلقوا واختلقوا ، وافتروا واحد . وقال الليث : يقال : تخرق الكذب وتخلقه ، وحكى صاحب " الكشاف " : أنه سئل الحسن عن هذه الكلمة فقال : كلمة عربية كانت تقولها . كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم قد خرقها ، والله أعلم . ثم قال : ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه . أي شقوا له بنين وبنات . ثم إنه تعالى ختم الآية فقال : * ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) * فقوله سبحانه تنزيه لله عن كل ما لا يليق به . وأما قوله : * ( وتعالى ) * فلا شك أنه لا يفيد العلو في المكان ، لأن المقصود ههنا تنزيه الله تعالى عن هذه الأقوال الفاسدة ، والعلو في المكان لا يفيد هذا المعنى . فثبت أن المراد ههنا التعالي عن كل اعتقاد باطل . وقول فاسد . فإن قالوا : فعلى هذا التقدير لا يبقى بين قوله : " سبحانه " وبين قوله : " وتعالى " فرق . قلنا : بل يبقى بينهما فرق ظاهر ، فإن المراد بقوله سبحانه أن هذا القائل يسبحه وينزهه عما لا يليق به والمراد بقوله : * ( وتعالى ) * كونه في ذاته متعالياً متقدساً عن هذه الصفات سواء سبحه مسبح أو لم يسبحه ، فالتسبيح يرجع إلى أقوال المسبحين ، والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية التي حصلت له لذاته لا لغيره . قوله تعالى * ( بَدِيعُ السَّمَاواَتِ وَالاَْرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ