فخر الدين الرازي
115
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : اختلفوا في تفسير هذه الشركة على ثلاثة أوجه : فالأول : ما ذكرناه من أن المراد منه حكاية قول من يثبت للعالم إلهين أحدهما فاعل الخير والثاني فاعل الشر . والقول الثاني : أن الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله وهؤلاء يقولون المراد من الجن الملائكة ، وإنما حسن إطلاق هذا الاسم عليهم ، لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة مستترون عن الأعين ، وكان يجب على هذا القائل أن يبين أنه كيف يلزم من قولهم الملائكة بنات الله ؟ قولهم بجعل الملائكة شركاء لله حتى يتم انطباق لفظ الآية على هذا المعنى ، ولعله يقال : إن هؤلاء كانوا يقولون الملائكة مع أنها بنات الله فهي مدبرة لأحوال هذا العالم وحينئذ يحصل الشرك . والقول الثالث : وهو قول الحسن وطائفة من المفسرين أن المراد : أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام ، وإلى القول بالشرك ، فقبلوا من الجن هذا القول وأطاعوهم ، فصاروا من هذا الوجه قائلين : يكون الجن شركاء لله تعالى . وأقول : الحق هو القول الأول . والقولان الأخيران ضعيفان جداً . أما تفسير هذا الشرك بقول العرب الملائكة بنات الله ، فهذا باطل من وجوه : الوجه الأول : أن هذا المذهب قد حكاه الله تعالى بقوله : * ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) * ( الأنعام : 100 ) فالقول بإثبات البنات لله ليس إلا قول من يقول الملائكة بنات الله ، فلو فسرنا قوله : * ( وجعلوا لله شركاء الجن ) * بهذا المعنى يلزم منه التكرار في الموضع الواحد من غير فائدة ، وأنه لا يجوز . الوجه الثاني : في إبطال هذا التفسير أن العرب قالوا : الملائكة بنات الله ، وإثبات الولد لله غير ، وإثبات الشريك له غير ، والدليل على الفرق بين الأمرين أنه تعالى ميز بينهما في قوله : * ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) * ( الإخلاص : 3 ، 4 ) ولو كان أحدهما عين الآخر لكان هذا التفصيل في هذه السورة عبثاً . الوجه الثالث : أن القائلين بيزدان وأهرمن يصرحون بإثبات شريك لإله العالم في تدبير هذا العالم ، فصرف اللفظ عنه وحمله على إثبات البنات صرف للفظ عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز . وأما القول الثاني : وهو قول من يقول المراد من هذه الشركة : أن الكفار قبلوا قول الجن في عبادة الأصنام ، فهذا في غاية البعد لأن الداعي إلى القول بالشرك لا يجوز تسميته بكونه شريكاً لله لا بحسب حقيقة اللفظ ولا بحسب مجازه ، وأيضاً فلو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لزم وقوع التكرير من غير فائدة ، لأن الرد على عبدة الأصنام وعلى عبدة الكواكب قد سبق على سبيل الاستقصاء ، فثبت سقوط هذين القولين ، وظهر أن الحق هو القول الذي نصرناه وقويناه . وأما قوله تعالى : * ( وخلقهم ) * ففيه بحثان :