فخر الدين الرازي
10
تفسير الرازي
الميم ، جعل اللام متعلقة بقوله * ( وآتيناه الإنجيل ) * ( المائدة : 46 ) لأن إيتاء الإنجيل إنزال ذلك عليه ، فكان المعنى آتيناه الإنجيل ليحكم ، وأما الباقون فقرؤا بجزم اللام والميم على سبيل الأمر ، وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير : وقلنا ليحكم أهل الإنجيل ، فيكون هذا إخباراً عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل ، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله * ( وكتبنا وقفينا ) * يدل عليه ، وحذف القول كثير كقوله تعالى : * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) * ( الرعد : 23 ) أي يقولون سلام عليكم ، والثاني : أن يكون قوله * ( وليحكم ) * ابتداء أمر للنصارى بالحكم في الإنجيل . فإن قيل : كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن ؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن المراد ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الأصم . والثاني : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، مما لم يصر منسوخاً بالقرآن ، والثالث : المراد من قوله * ( وليحكم أهل الإنجيل بم أنزل الله فيه ) * زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة ، فالمعنى بقوله * ( وليحكم ) * أي وليقر أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريف ولا تبديل . ثم قال تعالى : * ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) * واختلف المفسرون ، فمنهم من جعل هذه الثلاثة ، أعني قوله ( الكافرون والظالمون الفاسقون ) صفت لموصوف واحد . قال القفال : وليس في إفراد كل واحد من هذه الثلاثة بلفظ ما يوجب القدح في المعنى ، بل هو كما يقال : من أطاع الله فهو المؤمن ، من أطاع الله فهو البر ، من أطاع الله فهو المتقي ، لأن كل ذلك صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد . وقال آخرون : الأول : في الجاحد ، والثاني والثالث : في المقر التارك . وقال الأصم : الأول والثاني : في اليهود ، والثالث : في النصارى . ثم قال تعالى : * ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ) * وهذا خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم ، فقوله * ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ) * أي القرآن ، وقوله * ( مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ) * أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن . وقوله * ( ومهيمناً عليه ) * فيه مسائل :