فخر الدين الرازي

11

تفسير الرازي

المسألة الأولى : في المهيمن قولان : الأول : قال الخليل وأبو عبيدة : يقال قد هيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً عليه حافظاً . قال حسّان : فإن الكتاب مهيمن لنبينا * والحق يعرفه ذوو الألبب والثاني : قالوا : الأصل في قولنا : آمن يؤمن فهو مؤمن ، أأمن يؤامن فهو مؤامن بهمزتين ، ثم قبلت الأولى هاء كما في : هرقت وأرقت ، وهياك وإياك ، وقبلت الثانية ياء فصار مهيمناً فلهذا قال المفسرون * ( ومهيمناً عليه ) * أي أميناً على الكتب التي قبله . المسألة الثانية : إنما كان القرآن مهيمناً على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخاً البتة ، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * ( الحجر : 9 ) وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبداً ، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبداً . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " قرىء * ( ومهيمناً عليه ) * بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى : بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما قررنا من الآيات ، ولقوله * ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) * ( فصلت : 42 ) والمهيمن عليه هو الله تعالى . ثم قال تعالى : * ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) * يعني فاحكم بين اليهود بالقرآن والوحي الذي نزله الله تعالى عليك . * ( ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( ولا تتبع ) * يريد ولا تنحرف ، ولذلك عداه بعن ، وكأنه قيل : ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم . المسألة الثانية : روي أن جماعة من اليهود قالوا : تعالوا نذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه ، ثم دخلوا عليه وقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعك كل اليهود ، وإن بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك ، فاقض لنا ونحن نؤمن بك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .