فخر الدين الرازي
22
تفسير الرازي
المقام الثالث في هذه الآية : وهو أنا ندعي دلالة هذه الآية على صحة إمامة أبي بكر ، وذلك لأنه لما ثبت بما ذكرنا أن هذه الآية مختصة به فنقول : إنه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات : أولها : أنه يحبهم ويحبونه . فلما ثبت أن المراد بهذه الآية هو أبو بكر ثبت أن قوله * ( يحبهم ويحبونه ) * وصف لأبي بكر ، ومن وصفه الله تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالماً ، وذلك يدل على أنه كان محقاً في إمامته ، وثانيها : قوله * ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) * وهو صفة أبي بكر أيضاً الدليل الذي ذكرناه ، ويؤكده ما روي في الخبر المستفيض أنه عليه الصلاة والسلام قال : " ارحم أمتي بأمتي أبو بكر " فكان موصوفاً بالرحمة والشفقة على المؤمنين وبالشدة مع الكفار ، ألا ترى أن في أول الأمر حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة وكان في غاية الضعف كيف كان يذب عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكيف كان يلازمه ويخدمه ، وما كان يبالي بأحد من جبابرة الكفار وشياطينهم ، وفي آخر الأمر أعني وقت خلافته كيف لم يلتفت إلى قول أحد ، وأصر على أنه لا بدّ من المحاربة مع مانعي الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده ، حتى جاء أكابر الصحابة وتضرعوا إليه ومنعوه من الذهاب ، ثم لما بلغ بعث العسكر إليهم انهزموا وجعل الله تعالى ذلك مبدأ لدولة الإسلام ، فكان قوله * ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) * لا يليق إلا به ، وثالثها : قوله * ( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) * فهذا مشترك فيه بين أبي بكر وعلي ، إلا أن حظ أبي بكر فيه أتم وأكمل ، وذلك لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار كانت في أول البعث ، وهناك الإسلام كان في غاية الضعف ، والكفر كان في غاية القوة ، وكان يجاهد الكفار بمقدار قدرته ، ويذب عن رسول الله بغاية وسعه ، وأما علي عليه السلام فإنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر وأُحد ، وفي ذلك الوقت كان الإسلام قوياً وكانت العساكر مجتمعة ، فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي من وجهين : الأول : أنه كان متقدماً عليه في الزمان ، فكان أفضل لقوله تعالى : * ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) * ( الحديد : 10 ) والثاني : أن جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجهاد علي كان في وقت القوة ، ورابعها : قوله * ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) * وهذا لائق بأبي بكر لأنه متأكد بقوله تعالى : * ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ) * ( النور : 22 ) وقد بينا أن هذه الآية في أبي بكر ، ومما يدل على أن جميع هذه الصفات لأبي بكر أنا بينا بالدليل أن هذه الآية لا بدّ وأن تكون في أبي بكر ، ومتى كان الأمر كذلك كانت هذه الصفات لا بدّ وأن تكون لأبي بكر ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بصحة إمامته ، إذ لو كانت إمامته باطلة لما كانت هذه الصفات لائقة به .