فخر الدين الرازي
23
تفسير الرازي
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه كان موصوفاً بهذه الصفات حال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد وفاته لما شرع في الإمامة زالت هذه الصفات وبطلت . قلنا : هذا باطل قطعاً لأنه تعالى قال : * ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) * فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصفة حال إتيان الله بهم في المستقبل ، وذلك يدل على شهادة الله له بكونه موصوفاً بهذه الصفات حال محاربته مع أهل الردة ، وذلك هو حال إمامته ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على صحة إمامته ، أما قول الروافض لعنهم الله : إن هذه الآية في حق علي رضي الله عنه بدليل أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : " لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله " وكان ذلك هو علي عليه السلام ، فنقول : هذا الخبر من باب الآحاد ، وعندهم لا يجوز التمسك به في العمل ، فكيف يجوز التمسك به في العلم ، وأيضاً إن إثبات هذه الصفة لعلي لا يوجب انتفاءها عن أبي بكر ، وبتقدير أن يدل على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر ، ومن جملة تلك الصفات كونه كراراً غير فرار ، فلما انتفى ذلك عن أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له ، فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب ، فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه ، فهو تعالى إنما أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ذلك فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت ، فلم يمنع ذلك من حصولها في الزمان المستقبل ، ولأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن ، وما ذكروه تمسك بالخبر المذكور المنقول بالآحاد ، ولأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون أبي بكر محباً لله ولرسوله . وكون الله محباً له وراضياً عنه . قال تعالى في حق أبي بكر * ( ولسوف يرضى ) * ( الليل : 21 ) وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة " وقال : " ما صب الله شيئاً في صدري إلا وصبه في صدر أبي بكر " وكل ذلك يدل على أنه كان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله . وأما الوجه الثاني : وهو قولهم : الآية التي بعد هذه الآية دالة على إمامة علي فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي ، فجوابنا : أنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامة على وسنذكر الكلام فيه إن شاء الله تعالى ، فهذا ما في هذا الموضع من البحث والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( يحبهم ويحبونه ) * فتحقيق الكلام في المحبة ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : * ( والذين آمنوا أشد حباً لله ) * ( البقرة : 165 ) فلا فائدة في الإعادة . وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له ، وهذا حق لأنه لولا أن الله أحبهم وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له . ثم قال تعالى : * ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) * وهو كقوله * ( أشداء على الكفار رحماء