فخر الدين الرازي
60
تفسير الرازي
المسألة الأولى : قوله : * ( فمن ما ملكت أيمانكم ) * أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم . قال ابن عباس : يريد جارية أختك ، فان الانسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه . المسألة الثانية : الفتيات : المملوكة جمع فتاة ، والعبد فتى ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي " ويقال للجارية الحديثة : فتاة ، وللغلام فتى ، والأمة تسمى فتاة ، عجوزاً كانت أو شابة ، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير . المسألة الثالثة : قوله : * ( من فتياتكم المؤمنات ) * يدل على تقييد نكاح الأمة بما إذا كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية ، سواء كان الزوج حراً أو عبدا ، وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ، وقول مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : يجوز التزوج بالأمة الكتابية . حجة الشافعي رضي الله عنه : أن قوله : * ( من فتياتكم المؤمنات ) * تقييد لجواز نكاح الأمة بكونها مؤمنة ، وذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول الحرة ، وأيضا قال تعالى : * ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) * ( البقرة : 221 ) . حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه : النص والقياس : أما النص فالعمومات التي ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة ، وآكدها قوله : * ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) * ( المائدة : 5 ) وأما القياس فهو أنا أجمعنا على أن الكتابة الحرة مباحة ، والكتابية المملوكة أيضا مباحة ، فكذلك إذا تزوج بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز . والجواب عن العمومات : أن دلائلنا خاصة فتكون مقدمة على العمومات ، وعن القياس : أن الشافعي قال : إذا تزوج بالحرة الكتابية فهناك نقص واحد ، أما إذا تزوج بالأمة الكتابية فهناك نوعان من النقص : الرق والكفر ، فظهر الفرق . ثم قال تعالى : * ( والله أعلم بايمانكم ) * قال الزجاج : معناه اعملوا على الظاهر في الايمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور ، والله يتولى السرائر والحقائق . ثم قال تعالى : * ( بعضكم من بعض ) * وفيه وجهان : الأول : كلكم أولاد آدم فلا تداخلنكم أنفة من تزوج الإماء عند الضرورة . والثاني : ان المعنى : كلكم مشتركون في الايمان ، والايمان أعظم الفضائل ، فإذا حصل الاشتراك في أعظم الفضائل كان التفاوت فيما وراءه غير ملتفت إليه ، ونظيره قوله تعالى : * ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) * ( التوبة : 71 ) وقوله : * ( أن أكرمكم عند الله أتقاكم ) * ( الحجرات : 13 ) قال الزجاج : فهذا الثاني أولى لتقدم ذكر المؤمنات ، أو لأن الشرف بشرف الاسلام أولى منه بسائر الصفات ، وهو يقوي قول الشافعي رضي الله عنه : ان الايمان شرط لجواز