فخر الدين الرازي

61

تفسير الرازي

نكاح الأمة . واعلم أن الحكمة في ذكر هذه الكلمة أن العرب كانوا يفتخرون بالأنساب ، فأعلم في ذكر هذه الكلمة أن الله لا ينظر ويلتفت إليه . روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ثلاث من أمر الجاهلية : الطعن في الأنساب ، والفخر بالأحساب ، والاستسقاء بالأنواء ، ولا يدعها الناس في الاسلام " وكان أهل الجاهلية يضعون من ابن الهجين ، فذكر تعالى هذه الكلمة زجرا لهم عن أخلاق أهل الجاهلية . ثم أنه تعالى شرح كيفية هذا النكاح فقال : * ( فانكحوهن باذن أهلهن ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل ، ويدل عليه القرآن والقياس . أما القرآن فهو هذه الآية فان قوله تعالى : * ( فانكحوهن باذن أهلهن ) * يقتضي كون الاذن شرطا في جواز النكاح ، وان لم يكن النكاح واجبا . وهو كقوله عليه الصلاة والسلام : " من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " فالسلم ليس بواجب ، ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط ، كذلك النكاح وان لم يكن واجبا ، لكنه إذا أراد أن يتزوج أمة ، وجب أن لا يتزوجها إلا باذن سيدها . وأما القياس : فهو أن الأمة ملك للسيد ، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها ، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا باذنه . واعلم أن لفظ القرآن مقتصر على الأمة ، وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا تزوج العبد بغير اذن السيد فهو عاهر " . المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله عنه : المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلا بإذن الولي . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يصح ، احتج الشافعي بهذه الآية ، وتقريره أن الضمير في قوله : * ( فانكحوهن باذن أهلهن ) * عائد إلى الإماء ، والأمة ذات موصوفة بصفة الرق ، وصفة الرق صفة زائلة ، والإشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة ذات موصوفة بصفة الرق ، وصفة الرق صفة زائلة ، والإشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة لا يتناول الإشارة إلى تلك الصفة ، ألا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخا ثم تكلم معه يحنث في يمينه ، فثبت أن الإشارة إلى الذات الموصوفة بصفة عرضية زائلة ، باقية بعد زوال تلك الصفة العرضية ، وإذا ثبت هذا فنقول : قوله : * ( فانكحوهن باذن أهلهن ) * إشارة إلى الإماء ، فهذه الإشارة وجب أن تكون باقية حال زوال الرق عنهن ، وحصول صفة الحرية لهن ، وإذا كان كذلك فالحرة البالغة العاقلة في هذه الصورة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها ، وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة وجب ثبوت هذا الحكم في سائر الصور ؛ ضرورة أنه لا قائل بالفرق . احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على فساد قول الشافعي