فخر الدين الرازي
46
تفسير الرازي
المسألة الأولى : قوله : * ( أن تبتغوا ) * في محله قولان : الأول : أنه رفع على البدل من " ما " والتقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم وأحل لكم أن تبتغوا ، على قراءة من قرأ ( وأحل ) بضم الألف . ومن قرأ بالفتح كان محل " أن تبتغوا " نصبا . الثاني : أن يكون محله على القراءتين النصب بنزع الخافض كأنه قيل : لأن تبتغوا ، والمعنى : وأحل لكم ما وراء ذلكم لإرادة أن تبتغوا بأموالكم وقوله : * ( محصنين غير مسافحين ) * أي في حال كونكم محصنين غير مسافحين ، وقوله : * ( محصنين ) * أي متعففين عن الزنا ، وقوله : * ( غير مسافحين ) * أي غير زانين ، وهو تكرير للتأكيد . قال الليث : السفاح والمسافحة الفجور ، وأصله في اللغة من السفح وهو الصب يقال : دموع سوافح ومسفوحة ، قال تعالى : * ( أو دما مسفوحا ) * ( الانعام : 145 ) وفلان سفاح للدماء أي سفاك ، وسمي الزاني سفاحا لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة . فان قيل : أين مفعول تبتغوا ؟ قلنا : التقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم لإرادة أن تبتغوهن ، أي تبتغوا ما وراء ذلكم ، فحذف ذكره لدلالة ما قبله عليه والله أعلم . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا مهر أقل من عشرة دراهم ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يجوز بالقليل والكثير ولا تقدير فيه . احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى قيد التحليل بقيد ، وهو الابتغاء بأموالهم ، والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالا ، فوجب أن لا يصح جعلها مهرا . فان قيل : ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال ، مع أنكم تجوزون كونها مهرا . قلنا : ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا تكون العشرة كافية ، إلا أنا تركنا العمل بظاهر الآية في هذه الصورة لدلالة الاجماع على جوازه ، فتمسك في الأقل من العشرة بظاهر الآية . واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، لأن الآية دالة على أن الابتغاء بالأموال جائز ، وليس فيها دلالة على أن الابتغاء بغير الأموال لا يجوز ، إلا على سبيل المفهوم ، وأنتم لا تقولون به . ثم نقول : الذي يدل على أنه لا تقدير في المهر وجوه : الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية ، وذلك لأن قوله : * ( بأموالكم ) * مقابلة الجمع بالجمع ، فيقتضي توزع الفرد على الفرد ، فهذا يقتضي أن يتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالا ، والقليل والكثير في هذه الحقيقة وفي هذا الاسم سواء ، فيلزم من هذه الآية جواز ابتغاء النكاح بأي شيء يسمى مالا من غير تقدير .