فخر الدين الرازي
47
تفسير الرازي
الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : * ( وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) * ( البقرة : 237 ) دلت الآية على سقوط النصف عن المذكور ، وهذا يقتضي أنه لو وقع العقد في أول الأمر بدرهم أن لا يجب عليه إلا نصف درهم ، وأنتم لا تقولون به . الحجة الثالثة : الأحاديث : منها ما روي أن امرأة جيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تزوج بها رجل على نعلين ، فقال عليه الصلاة والسلام : " رضيت من نفسك بنعلين " فقالت : نعم فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ، والظاهر أن قيمة النعلين تكون أقل من عشرة دراهم ، فان مثل هذا الرجل والمرأة اللذين لا يكون تزوجهما إلا على النعلين يكونان في غاية الفقر ، ونعل هذا الانسان يكون قليل القيمة جدا . ومنها ما روي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق أو طعام فقد استحل " ومنها ما روي في قصة الواهبة أنه عليه الصلاة والسلام قال لمن أراد التزوج بها : " التمس ولو خاتما من حديد " وذلك لا يساوي عشرة دراهم . المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لو تزوج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهراً ولها مهر مثلها ، ثم قال : إذا تزوج امرأة على خدمته سنة ، فإن كان حراً لها مهر مثلها ، وإن كان عبدا فلها خدمة سنة . وقال الشافعي رحمة الله عليه : يجوز جعل ذلك مهرا ، احتج أبو حنيفة على قوله بوجوه : الأول : هذه الآية وذلك أنه تعالى شرط في حصول الحل أن يكون الابتغاء بالمال ، والمال اسم للأعيان لا للمنافع ، الثاني : قال تعالى : * ( فان طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) * ( النساء : 4 ) وذلك صفة الأعيان . أجاب الشافعي عن الأول بأن الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز ، وليس فيه بيان أن الابتغاء بغير المال جائز أم لا ، وعن الثاني : أن لفظ الايتاء كما يتناول الأعيان يتناول المنافع الملتزمة ، وعن الثالث : أنه خرج الخطاب على الأعم الأغلب ، ثم احتج الشافعي رضي الله عنه على جواز جعل المنفعة صداقا لوجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى في قصة شعيب : * ( إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج ) * ( القصص : 27 ) جعل الصداق تلك المنافع والأصل في شرع من تقدمنا البقاء إلى أن يطرأ الناسخ . الحجة الثانية : ان التي وهبت نفسها ، لما لم يجد الرجل الذي أراد أن يتزوج بها شيئا ، قال عليه الصلاة والسلام : " هل معك شيء من القرآن قال نعم سورة كذا ، قال زوجتكها بما معك من