فخر الدين الرازي
44
تفسير الرازي
ذلكم ) * صريح في تحليل كل ما سوى المذكورات ، وقوله : * ( لا تنكح المرأة على عمتها ) * ليس صريحا في العموم ، بل احتماله للمعهود السابق أظهر . الوجه السادس : أنه تعالى استقصى في هذه الآية شرح أصناف المحرمات فعد منها خمسة عشر صنفا ، ثم بعد هذا التفصيل التام والاستقصاء الشديد قال : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * فلو لم يثبت الحل في كل من سوى هذه الأصناف المذكورة لصار هذا الاستقصاء عبثا لغوا ، وذلك لا يليق بكلام أحكم الحاكمين ، فهذا تقرير وجوه السؤال في هذا الباب . والجواب على وجوه : الأول : ما ذكره الحسن وأبو بكر الأصم ، وهو أن قوله : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * لا يقتضى إثبات الحل على سبيل التأييد ، وهذا الوجه عندي هو الأصح في هذا الباب ، والدليل عليه أن قوله : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * إخبار عن إحلال كل ما سوى المذكورات وليس فيه بيان أن إحلال كل ما سوى المذكورات وقع على التأييد أم لا ، والدليل على أنه لا يفيد التأييد : أنه يصح تقسيم هذا المفهوم إلى المؤبد وإلى غير المؤبد ، فيقال تارة : * ( وأحل لكم ما وراء / ذلكم ) * أبداً ، وأخرى * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * إلى الوقت الفلاني ، ولو كان قوله : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * صريحا في التأييد لما كان هذا التقسيم ممكنا ، ولأن قوله : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * لا يفيد إلا إحلال من سوى المذكورات وصريح العقل يشهد بأن الاحلال أعم من الاحلال المؤبد ومن الاحلال المؤقت ، إذا ثبت هذا فنقول : قوله : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * لا يفيد إلا حل من عدا المذكورات في ذلك الوقت ، فأما ثبوت حلهم في سائر الأوقات فاللفظ ساكت عنه بالنفي والاثبات ، وقد كان حل من سوى المذكورات ثابتا في ذلك الوقت ، وطريان حرمة بعضهم بعد ذلك لا يكون تخصيصا لذلك النص ولا نسخا له ، فهذا وجه حسن معقول مقرر . وبهذا الطريق نقول أيضا : إن قوله : * ( حرمت عليكم أمهاتكم ) * ( النساء : 23 ) ليس نصا في تأبيد هذا التحريم ، وإن ذلك التأبيد إنما عرفناه بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، لا من هذا اللفظ ، فهذا هو الجواب المعتمد في هذا الموضع . الوجه الثاني : انا لا نسلم أن حرمة الجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها غير مذكورة في الآية وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى حرم الجمع بين الأختين ، وكونهما أختين يناسب هذه الحرمة لأن الأختية قرابة قريبة ، والقرابة القريبة تناسب مزيد الوصلة والشفقة والكرامة ، وكون إحداهما ضرة الأخرى يوجب الوحشة العظيمة والنفرة الشديدة ، وبين الحالتين منافرة عظيمة ، فثبت أن كونها أختاً لها يناسب حرمة الجمع بينهما في النكاح ، وقد ثبت في أصول الفقه ان ذكر الحكم مع الوصف المناسب له ، يدل بحسب اللفظ على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فثبت أن قوله : * ( وأن تجمعوا بين الأختين ) * ( النساء : 23 ) يدل على كون القرابة القريبة مانعة من الجمع في النكاح ، وهذا المعنى حاصل بين المرأة وعمتها أو خالتها ، فكان الحكم المذكور في الأختين مذكورا في العمة والخالة من طريق الدلالة ، بل ههنا أولى ، وذلك لأن العمة والخالة يشبهان الأم لبنت الأخ ولبنت الأخت ، وهما يشبهان الولد للعمة والخالة ، واقتضاء مثل هذه القرابة لترك المضارة أقوى من اقتضاء قرابة الأختية لمنع المضارة ، فكان قوله : * ( وأن تجمعوا بين الأختين ) * مانعا من العمة والخالة بطريق الأولى . الثاني : أنه نص على حرمة التزوج بأمهات النساء فقال : * ( وأمهات نسائكم ) * ( النساء : 23 ) ولفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة ، أما على العمة فلأنه تعالى قال مخبرا عن أولاد يعقوب عليه السلام : * ( نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ) * ( البقرة : 133 ) فأطلق لفظ الأب على إسماعيل مع أنه كان عما ، وإذا كان العم أباً لزم أن تكون العمة أماً ، وأما إطلاق لفظ الأم على الخالة فيدل عليه قوله تعالى : * ( ورفع أبويه على العرش ) * ( يوسف : 100 ) والمراد أبوه وخالته ، فان أمه كانت متوفاة في ذلك الوقت ، فثبت بما