فخر الدين الرازي
239
تفسير الرازي
فكذا ههنا وجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو هذا القتل العمد ، لأن هذا الوصف مناسب لذلك الحكم ، فلزم كون ذلك الحكم معللا به ، وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يقال : أينما ثبت هذا المعنى فإنه يحصل هذا الحكم ، وبهذا الوجه لا يبقى لقوله : الآية مخصوصة بالكافر وجه . الوجه الرابع : أن المنشأ لاستحقاق هذا الوعيد إما أن يكون هو الكفر أو هذا القتل المخصوص ، فإن كان منشأ هذا الوعيد هو الكفر كان الكفر حاصلا قبل هذا القتل ، فحينئذ لا يكون لهذا القتل أثر البتة في هذا الوعيد ، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية جارية مجرى ما يقال : ان من يتعمد قتل نفس فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ، لأن القتل العمد لما لم يكن له تأثير في هذا الوعيد جرى مجرى النفس ومجرى سائر الأمور التي لا أثر لها في هذا الوعيد ، ومعلوم ان ذلك باطل ، وان كان منشأ هذا الوعيد هو كونه قتلا عمدا فحينئذ يلزم أن يقال : أينما حصل القتل يحصل هذا الوعيد ، وحينئذ يسقط هذا السؤال ، فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ليس بشيء . وأما الوجه الثاني : من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر ، فإذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب على الله ، وهذا خطأ عظيم ، بل يقرب من أن يكون كفراً ، فان العقلاء أجمعوا على أنه تعالى منزه عن الكذب ، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد لأجل ما قال : إن الخلف في الوعيد كرم ، فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة ، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء . وحكى القفال في تفسيره وجها آخر ، هو الجواب وقال : الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر ، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا ، وقد يقول الرجل لعبده : جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا ، إلا أني لا أفعله ، وهذا الجواب أيضاً ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر ، وثبت بسائر الآيات أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين . قال تعالى : * ( من يعمل سوأ يجز به ) * ( النساء : 123 ) وقال : * ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) * ( غافر : 17 ) وقال : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * ( الزلزلة : 7 - 8 ) بل إنه تعالى ذكر في هذه الآية ما يدل على أنه يوصل إليهم هذا الجزاء وهو قوله : * ( وأعد له عذابا عظيما ) * فان بيان أن هذا جزاؤه حصل بقوله : * ( فجزاؤه جهنم خالداً فيها ) * فلو كان قوله : * ( وأعد له عذابا عظيما ) * إخبارا عن الاستحقاق كان تكرارا ، فلو حملناه على الاخبار عن أنه تعالى سيفعل لم يلزم التكرار ، فكان ذلك أولى .