فخر الدين الرازي

240

تفسير الرازي

واعلم أنا نقول : هذه الآية مخصوصة في موضعين : أحدهما : أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص فإنه لا يحصل فيه هذا الوعيد البتة . والثاني : القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فإنه لا يحصل فيه الوعيد ، وإذا ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى : * ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( النساء : 48 ) وأيضاً فهذه الآية إحدى عمومات الوعيد ، وعمومات الوعد أكثر من عمومات الوعيد ، وما ذكره في ترجيح عمومات الوعيد قد أجبنا عنه وبينا أن عمومات الوعد راجحة ، وكل ذلك قد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : * ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * ( البقرة : 81 ) المسألة الثانية : نقل عن ابن عباس أنه قال : توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة ، وقال جمهور العلماء : إنها مقبولة ، ويدل عليه وجوه : الحجة الأولى : أن الكفر أعظم من هذا القتل فإذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول . الحجة الثانية : قوله تعالى في آخر الفرقان : * ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ) * ( الفرقان : 68 ، 69 ، 70 ) وإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة : فبأن تكون توبة الآتي بالقتل العمد وحده مقبولة كان أولى . الحجة الثالثة : قوله : * ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * وعد بالعفو عن كل ما سوى الكفر ، فبأن يعفو عنه بعد التوبة أولى والله أعلم . تم الجزء العاشر ، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر .