فخر الدين الرازي
238
تفسير الرازي
تفيد الاستغراق ، وقد استقصينا في تقرير كلامهم في سورة البقرة في تفسير قوله : * ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * ( البقرة : 81 ) وبالغنا في الجواب عنها ، وزعم الواحدي أن الأصحاب سلكوا في الجواب عن هذه الآية طرقا كثيرة . قال : وأنا لا أرتضي شيئا منها لأن التي ذكروها اما تخصيص ، واما معارضة ، وإما إضمار ، واللفظ لا يدل على شيء من ذلك . قال : والذي أعتمده وجهان : الأول : إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا ثم ذكر تلك القصة . والثاني : أن قوله : * ( فجزاؤه جهنم ) * معناه الاستقبال أي انه سيجزى بجهنم ، وهذا وعيد قال : وخلف الوعيد كرم ، وعندنا أنه يجوز ان يخلف الله وعيد المؤمنين ، فهذا حاصل كلامه الذي زعم أنه خير مما قاله غيره . وأقول : أما الوجه الأول فضعيف ، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فإذا ثبت ان اللفظ الدال على الاستغراق حاصل ، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم ، فيسقط هذا الكلام بالكلية ، ثم نقول : كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة ، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر ، وبيانه من وجوه : الأول : انه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون إليه عند اشتغالهم بالجهاد ، فابتدأ بقوله : * ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) * ( النساء : 92 ) فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات : كفارة قتل المسلم في دار الاسلام ، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب ، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد ، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد ، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين ، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه . الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) * ( النساء : 94 ) وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف ، وعلى هذا التقدير : فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الايمان ؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله : * ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً ) * نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب ، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار . الثالث : أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وبهذا الطريق عرفنا أن قوله : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * ( المائدة : 38 ) وقوله : * ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ) * ( النور : 2 ) الموجب للقطع هو السرقة ، والموجب للجلد هو الزنا ،