فخر الدين الرازي

228

تفسير الرازي

يقتل مؤمناً إلا خطأ ) * معناه أنه يؤاخذ الانسان على القتل إلا إذا كان القتل قتل خطأ فإنه لا يؤاخذ به . الثاني : أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ ، والمعنى أنه ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا عند الخطأ . وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار ، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا ، فههنا يجوز قتله ، ولا شك أن هذا خطأ ، فإنه ظن أنه كافر مع أنه ما كان كافرا . الثالث : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير : وما كان مؤمن ليقتل مؤمناً إلا خطأ ، ومثله قوله تعالى : * ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) * ( مريم : 35 ) تأويله : ما كان الله ليتخذ من ولد ، لأنه تعالى لا يحرم عليه شيء ، إنما ينفي عنه ما لا يليق به ، وأيضا قال تعالى : * ( ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ) * ( النمل : 60 ) معناه ما كنتم لتنبتوا ، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر ، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها ، فإنه تعالى هو القادر على إنبات الشجر . الرابع : أن وجه الاشكال في حمل هذا الاستثناء على الاستثناء المتصل ، وهو أن يقال : الاستثناء من النفي إثبات ، وهذا يقتضي الاطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال ، وذلك محال ، إلا أن هذا الاشكال إنما يلزم إذا سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات ، وذلك مختلف فيه بين الأصوليين ، والصحيح أنه لا يقتضيه لأن الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه ، وإذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالاثبات ، وحينئذ يندفع الاشكال . ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس باثبات قوله عليه الصلاة والسلام : " لا صلاة الا بطهور ولا نكاح الا بولي " ويقال : لا ملك الا بالرجال ولا رجال الا بالمال ، والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا والله أعلم . الخامس : قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة : تقدير الآية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا ، الا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا ، قال : والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا ، الا أن يكون خطأ فإنه لا يخرجه عن كونه مؤمنا . واعلم أن هذا الكلام بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن ، وهو أصل باطل ، والله أعلم . القول الثاني : أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن ، ونظيره في القرآن كثير . قال تعالى : * ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ) * ( النساء : 29 ) وقال : * ( الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم ) * ( النجم : 53 ) وقال : * ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ) * والله أعلم . المسألة الرابعة : في انتصاب قوله : * ( خطأ ) * وجوه : الأول : أنه مفعوله له ، والتقدير ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل ، إلا لكونه خطأ . الثاني : أنه حال ، والتقدير : لا يقتله البتة إلا حال كونه خطأ . الثالث : أنه صفة للمصدر . والتقدير : إلا قتلا خطأ .