فخر الدين الرازي
229
تفسير الرازي
قوله تعالى : * ( ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ) * . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : القتل على ثلاثة أقسام : عمد ، وخطأ ، وشبه عمد . أما العمد : فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن ، وهذا قول الشافعي . وأما الخطأ فضربان : أحدهما : أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فأصاب مسلما . والثاني : أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار ، والأول خطأ في الفعل ، والثاني خطأ في القصد . أما شبه العمد : فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه . قال الشافعي رحمه الله : هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة : القتل بالمثقل ليس بعمد محض ، بل هو خطأ وشبه عمد ، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة ، ولا يجب فيه القصاص . وقال الشافعي رحمه الله : إنه عمد محض يجب فيه القصاص . أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه ، ثم إن ذلك الوكز يسمى بالقتل ، بدليل أنه حكى أن القبطي قال في اليوم الثاني : * ( أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ) * ( القصص : 19 ) وكان الصادر عن موسى عليه السلام بالأمس ليس إلا الوكز ، فثبت أن القبطي سماه قتلا ، وأيضاً ان موسى صلوات الله عليه سماه قتلا حيث قال : * ( ربي اني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ) * ( القصص : 33 ) وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك الوكز ، وأيضا ان الله تعالى سماه قتلا حيث قال : * ( وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا ) * ( طه : 40 ) فثبت أن الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى وبقول الله تعالى ، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم : " ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " فسماه قتلا ، فثبت بهذين الدليلين أنه حصل القتل ، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة فان من ضرب رأس إنسان بحجر الرحا ، أو صلبه أو غرقه ، أو خنقه ثم قال : ما قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا أو مجنونا ، وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه مسلم ، فثبت أنه قتل عمد عدوان ، فوجب أن يجب القصاص بالنص والمعقول . أما النص : فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص ، كقوله : * ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) * ( البقرة : 178 ) * ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) * ( المائدة : 45 ) * ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطاناً ) * ( الإسراء : 33 ) * ( وجزاء