فخر الدين الرازي

201

تفسير الرازي

من هذا الاستنباط ، ولا نزاع في مثل هذا القياس ، انما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا ؟ والجواب : أما في السؤال الأول : فمدفوع لأنه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه ، لأن عطف المظهر على المضمر ، وهو قوله : * ( ولو ردوه ) * قبيح مستكره . وأما السؤال الثاني : فمدفوع لوجهين : الأول : أن قوله : * ( وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف ) * النساء : 83 ) عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية ، لأن الامن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف ، فثبت انه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب . الثاني : هب أن الامر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي ، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل بالفرق ، ألا ترى أن من قال : القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه ، فكذا ههنا . وأما السؤال الثالث : وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه : أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا ، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا . قوله : لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الأصلية ؟ قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان ، ومثل هذا لا يسمى استنباطا البتة . وأما السؤال الرابع : وهو قوله ان هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم ، والقياس الشرعي لا يفيد العلم . قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : ان القياس الشرعي عندنا يفيد العلم ، وذلك لان بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع ، فههنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الأصل ، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن ، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم ، وأما الحكم فمقطوع به ، وهو يجري مجرى ما إذا قال الله : مهما غلب على ظنك كذا فاعلم أن في الواقعة الفلانية حكمي كذا فإذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم . والثاني : وهو ان العلم قد يطلق ويراد به الظن ، قال عليه الصلاة والسلام : " إذا علمت مثل الشمس فاشهد " شرط العلم في جواز الشهادة ، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة ، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم والله أعلم .