فخر الدين الرازي
202
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : ان ظاهر هذا الاستثناء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته ومعلوم ان ذلك محال . فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوها ، قال بعضهم : هذا الاستثناء راجع إلى قوله : * ( أذاعوا ) * وقال قوم : راجع إلى قوله : * ( لعلمه الذين يستنبطونه ) * وقال آخرون : إنه راجع إلى قوله : * ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) * . واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للاخبار عن هذه الأحكام الثلاثة ، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها ، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل . أما القول الأول : فالتقدير : وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله : * ( بيت طائفة منهم غير الذي تقول ( النساء : 81 ) ) * . والقول الثاني : الاستثناء عائد إلى قوله : * ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل : قال الفراء والمبرد : القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه ، والأكثر يجهله ، وصرف الاستثناء إلى ما ذكره يقتضي ضد ذلك . قال الزجاج : هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض ، إنما هو استنباط خبر ، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال : كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الاخبار والأراجيف ، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد . القول الثالث : انه متعلق بقوله : * ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) * ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه . واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص ، وفيه وجهان : الأول : وهو قول جماعة من المفسرين ، أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، والتقدير : ولولا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله الا قليلا منكم ، فان ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان ، وما كان يكفر بالله ، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم .