فخر الدين الرازي
168
تفسير الرازي
لم يأمرنا بذلك . المسألة الرابعة : قال أبو علي الجبائي : لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم ، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى ، فيقال له : هذا لازم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة ، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها ، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب ، ثم إنه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا يؤمنون ، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم ، ومع ذلك فإنه تعالى كلفهم ، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت . ثم قال تعالى : * ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتا وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيما ولهديناهم صراطاً مستقيما ) * . اعلم أن المراد من قوله : * ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) * أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به ، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والثواب والعقاب ، وما كان كذلك فإنه يسمى وعظا ، ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع . فالنوع الأول : قوله : * ( لكان خيراً لهم ) * فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة ، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح ، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره ، لأن قولنا : " خير " يستعمل على الوجهين جميعا . النوع الثاني : قوله : * ( وأشد تثبيتا ) * وفيه وجوه : الأول : أن المراد أن هذا أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم ، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها ، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه . الثاني : أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق ، والباطل زائل . الثالث : أن الانسان يطلب أولا تحصيل الخير ، فإذا حصله فإنه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا ، فقوله : * ( لكان خيرا لهم ) * إشارة إلى الحالة الأولى ، وقوله : * ( وأشد تثبيتا ) * إشارة إلى الحالة الثانية . النوع الثالث : قوله تعالى : * ( وإذا لآتيناهم من لدنا أجراً عظيما ) * . واعلم أنه تعالى لما بين أن هذا الاخلاص في الايمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر ثباتا وبقاء ، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم . قال صاحب " الكشاف " : و " إذاً " جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت . فقيل : هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيما ، كقوله : * ( ويؤت من لدنه أجراً عظيما ) * ( النساء : 4 ) .