فخر الدين الرازي

169

تفسير الرازي

وأقول : إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة ، كل واحدة منها تدل على عظم هذا الأجر . أحدها : أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله : * ( آتيناه ) * وقوله : * ( من لدنا ) * والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية ، وثانيها : قوله : * ( من لدنا ) * وهذا التخصيص يدل على المبالغة ، كما في قوله : * ( وعلمناه من لدنا علماً ) * ( الكهف : 65 ) وثالثها : أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم ، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة ، وكيف لا يكون عظيما ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " . النوع الرابع : قوله : * ( ولهديناهم صراطا مستقيما ) * وفيه قولان : أحدهما : أن الصراط المستقيم هو الدين الحق ، ونظيره قوله تعالى : * ( وانك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ) * ( الشورى : 52 - 53 ) والثاني : انه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة ، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب والأجر ، والدين الحق مقدم على الثواب والأجر ، والصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج إليه بعد استحقاق الأجر ، فكان حمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى . قوله تعالى * ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً ) * . اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول ، ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال : * ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) * ( النساء : 64 ) ثم رغب في تلك الطاعة بقوله : * ( لكان خيراً لهم وأشد تثبيتا * وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيما * ولهديناهم صراطاً مستقيما ) * ( النساء : 66 - 67 - 68 ) أكد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول في هذه الآية مرة أخرى فقال : * ( ومن يطع الله والرسول