فخر الدين الرازي

157

تفسير الرازي

القول معه ، والآية أيضا كذلك ، لأن أول الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم ، فان الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول الآية أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به ، ويصدون عن الرسول مع أنهم أمروا بطاعته ، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة في الدنيا والآخرة فقال : * ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) * أي فكيف حال تكل الشدة وحال تلك المصيبة ، فهذا تقرير هذا القول ، وهو قول الحسن البصري ، واختيار الواحدي من المتأخرين . الوجه الثاني : أنه كلام متصل بما قبله ، وتقريره انه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويفرون من الرسول عليه الصلاة والسلام أشد الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول والقرب منه ، فلما ذكر ذلك قال : * ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) * يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا ، فكيف يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ، ثم جاؤوك شاؤوا أم أبوا ويحلفون بالله على سبيل الكذب : انا ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة ، والغرض من هذا الكلام بيان ان ما في قلبهم من النفرة عن الرسول لا غاية له ، سواء غابوا أم حضروا ، وسواء بعدوا أم قربوا ، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى بقوله : * ( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) * والمعنى أن من أراد المبالغة في شيء قال : هذا شيء لا يعلمه إلا الله ، يعني انه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله تعالى ، ثم لما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم أعلمه انه كيف يعاملهم فقال : * ( فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) * وهذا الكلام على ما قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء من الحذف والإضمار ، ومن طالع كتب التفسير علم أن المتقدمين والمتأخرين كيف اضطربوا فيه والله أعلم . المسألة الثانية : ذكروا في تفسير قوله : * ( أصابتهم مصيبة ) * وجوها : الأول : أن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام ، فهم جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فطالبوا عمر بدمه وحلفوا انهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة ، وهذا اختيار الزجاج . الثاني : قال أبو علي الجبائي : المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ، وانه يخصهم بمزيد الاذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى : * ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم