فخر الدين الرازي
158
تفسير الرازي
ثم لا يجاورونك فيها الا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ) * ( الأحزاب : 60 - 61 ) وقوله : * ( قل لن تخرجوا معي أبدا ) * ( التوبة : 83 ) وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم ، فكانت معدودة في مصائبهم ، وانما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم ، وعني بقوله : * ( ثم جاؤوك ) * أي وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار الا الصلاح ، وكانوا في ذلك كاذبين لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروه ، ولم يريدوا بذلك الاحسان الذي هو الصلاح . الثالث : قال أبو مسلم الأصفهاني : انه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول ، بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه ، والى أن يظهروا له الايمان به والى أن يحلفوا بأن مرادهم الاحسان والتوفيق . قال : ومن عادة العرب عند التبشير والانذار أن يقولوا : كيف أنت إذا كان كذا وكذا ، ومثاله قوله تعالى : * ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) * ( النساء : 41 ) وقوله : * ( فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ) * ( آل عمران : 25 ) ثم أمره تعالى إذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم . المسألة الثالثة : في تفسير الاحسان والتوفيق وجوه : الأول : معناه ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم الا الاحسان إلى خصومنا واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا ، وانما كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على رفع صوت عند تقرير كلامهم ، ولما قدروا على التمرد من حكمه ، فاذن كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم . الثاني : أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أنه يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه ، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به الرسول . الثالث : أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله الا أنك لا تحكم الا بالحق المر ، وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالاحسان إلى الآخر ، وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة . ثم قال تعالى : * ( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) * والمعنى أنه لا يعلم ما في قلوبهم من النفاق والغيظ والعداوة الا الله . ثم قال تعالى : * ( فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) * واعلم أنه تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم بثلاثة أشياء : الأول : قوله : * ( فأعرض عنهم ) * وهذا يفيد أمرين أحدهما : أن لا يقبل منهم ذلك العذر ولا يغتر به ، فان من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه . والثاني : أن هذا يجري مجرى أن يقول له : اكتف بالاعراض عنهم ولا تهتك سترهم ، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم ، فان من هتك ستر