فخر الدين الرازي
140
تفسير الرازي
الله صلى الله عليه وسلم : " لا ضمان على راع ولا على مؤتمن " وأما فعل عمر فهو محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان . المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : العارية مضمونة بعد الهلاك ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : غير مضمونة . حجة الشافعي قوله تعالى : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * وظاهر الأمر للوجوب ، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها ، ورد ضمانها ردها بمعناها ، فكانت الآية دالة على وجوب التضمين . ونظير هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام : " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في الوديعة ، لكن العام بعد التخصيص حجة ، وأيضاً فلأنا أجمعنا على أن المستام مضمون ، وأن المودع غير مضمون ، والعارية وقعت في البين ، فنقول : المشابهة بين العارية وبين المستام أكثر ، لأن كل واحد منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه ، بخلاف المودع ، فإنه أخذ الوديعة لغرض المالك ، فكانت المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم ، فظهر الفرق بين المستعار وبين المودع . حجة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام : " لا ضمان على مؤتمن " . قلنا : إنه مخصوص في المستام ، فكذا في العارية ، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى . قوله تعالى : * ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الأمانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ذلك الحق إليه فهذا هو الأمانة ، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب لانسان على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق ، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الانسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بغيره ، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالأمانة أولا ، ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق ، فما أحسن هذا الترتيب ، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط .