فخر الدين الرازي
141
تفسير الرازي
المسألة الثانية : أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل قال تعالى : * ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) * والتقدير : إن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . وقال : * ( أن الله يأمر بالعدل والاحسان ) * ( النحل : 90 ) وقال : * ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) * وقال : * ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) * ( ص : 26 ) وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت " وعن الحسن قال : ان الله أخذ على الحكام ثلاثا : أن لا يتبعوا الهوى ، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس ، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا . ثم قرأ * ( يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض ) * إلى قوله : * ( ولا تتبع الهوى ) * ( ص : 26 ) وقرأ * ( انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ) * ( المائدة : 44 ) إلى قوله : * ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) * ( البقرة : 41 ) ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى : * ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) * ( الصافات : 22 ) وقال عليه الصلاة والسلام : " ينادي منادي يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة ، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار " وقال أيضا : * ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) * ( إبراهيم : 42 ) وقال : * ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) * ( النمل : 52 ) . فان قيل : الغرض من الظلم منفعة الدنيا . فأجاب الله عن السؤال بقوله : * ( لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ) * ( القصص : 58 ) . المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء : في الدخول عليه ، والجلوس بين يديه ، والاقبال عليهما ، والاستماع منهما ، والحكم عليهما قال : والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب ، فإن كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه . قال : ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته ، ولا شاهدا شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين ، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف ، ولا يلقن المدعي عليه الانكار والاقرار ، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا ، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر ، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما ، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يضيف الخصم الا وخصمه معه . وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه ، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه ، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر ، وذلك هو المراد بقوله : * ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) * .