فخر الدين الرازي
14
تفسير الرازي
به قبل الخلوة ، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة قال : ولا يجوز أن يقال إنه مخصوص بقوله تعالى : * ( وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) * ( البقرة : 237 ) وذلك لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال علي وعمر : المراد من المسيس الخلوة ، وقال عبد الله : هو الجماع ، وإذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصصا لعموم هذه الآية . والجواب : ان هذه الآية المذكورة ههنا مختصة بما بعد الجماع بدليل قوله تعالى : * ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) * وإفضاء بعضهم إلى البعض هو الجماع على قول أكثر المفسرين وسنقيم الدلائل على صحة ذلك . المسألة الخامسة : اعلم أن سوء العشرة اما أن يكون من قبل الزوج ، وإما أن يكون من قبل الزوجة ، فإن كان من قبل الزوج كره له أنه يأخذ شيئا من مهرها لأن قوله تعالى : * ( وان أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) * صريح في أن النشوز إذا كان من قبله فإنه يكون منهيا عن أن يأخذ من مهرها شيئا ، ثم إن وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع ، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه ، ثم إنه يفيد الملك ، وإذا كان النشوز من قبل المرأة فههنا يحل أخذ بدل الخلع ؛ لقوله تعالى : * ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) * ( النساء : 19 ) . ثم قال تعالى : * ( أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الانسان به صاحبه على جهة المكابرة ، وأصله من بهت الرجل إذا تحير ، فالبهتان كذب يحير الانسان لعظمته ، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه * ( بهتانا ) * ، ومنه الحديث : " إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " . المسألة الثانية : في أنه لم انتصب قوله : * ( بهتانا ) * وجوه : الأول : قال الزجاج : البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال ، والمعنى : أتأخذونه مباهتين وآثمين . الثاني : قال صاحب " الكشاف " : يحتمل أنه انتصب لأنه مفعول له وإن لم يكن غرضاً في الحقيقة ، كقولك : قعد عن القتال جبنا . الثالث : انتصب بنزع الخافض ، أي ببهتان . الرابع : فيه اضمار تقديره : تصيبون به بهتانا وإثما . المسألة الثالثة : في تسمية هذا الأخذ " بهتانا " وجوه : الأول : أنه تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول : ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا . الثاني : أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها ، وأن لا يأخذه منها ، فإذا أخذه صار ذلك القول الأول بهتانا . الثالث : أنا ذكرنا أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشتري نفسها منه