فخر الدين الرازي
15
تفسير الرازي
بذلك المهر ، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه في الأغلب الأكثر ، جعل كأن أحدهما هو الآخر . الرابع : أنه تعالى ذكر في الآية السابقة : * ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) * والظاهر من حال المسلم أنه لا يخالف أمر الله ، فإذا أخذ منها شيئاً أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة ، فإذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان ، من حيث أنه يدل على إتيانها بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك . وفيه تقرير آخر وهو أن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها ، فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر ، فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر ، الخامس : أن عقاب البهتان والاثم المبين كان معلوماً عندهم فقوله : * ( أتأخذونه بهتانا ) * معناه أتأخذون عقاب البهتان فهو كقوله : * ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ) * ( النساء : 10 ) . المسألة الرابعة : قوله : * ( أتأخذونه ) * استفهام على معنى الانكار والاعظام ، والمعنى أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل . واعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أمورا : أحدهما : أن هذا الأخذ يتضمن نسبتها إلى الفاحشة المبينة ، فكان ذلك بهتانا والبهتان من أمهات الكبائر . وثانيها : أنه إثم مبين لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ليتوسل بذلك التشديد والتضييق وهو ظلم ، إلى أخذ المال وهو ظلم آخر ، فلا شك أن التوسل بظلم إلى ظلم آخر يكون إثما مبينا . وثالثها : قوله تعالى : * ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال : فضا يفضو وفضاء إذا اتسع ، قال الليث : أفضى فلان إلى فلان ، أي وصل إليه ، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه ، وللمفسرين في الافضاء في هذه الآية قولان : أحدهما : أن الافضاء ههنا كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن قتيبة ومذهب الشافعي ؛ لأن عنده الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر ، وإن خلا بها . والقول الثاني : في الافضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها ، قال الكلبي : الافضاء أن يكون معها في لحاف واحد ، جامعها أو لم يجامعها ، وهذا القول اختيار الفراء ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه . لأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر . واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الليث قال : أفضى فلان إلى فلانة