فخر الدين الرازي

105

تفسير الرازي

العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب ، والظاهر أن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعد بها في الجنة ، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه ، فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية ، وعند الاستغراق في المحبة والمعرفة ، وإنما خص هذا النوع بقوله : * ( من لدنه ) * لأن هذا النوع من الغبطة والسعادة والبهجة والكمال ، لا ينال بالأعمال الجسدانية ، بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الاشراق والصفاء والنور ، وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية ، وهذا الأجر العظيم إشارة إلى السعادة الروحانية . * ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الاَْرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) * . وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم ، وأنه تعالى يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه ، فبين تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق ، لتكون الحجة على المسئ أبلغ ، والتبكيت له أعظم وحسرته أشد ، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم ، ويكون هذا وعيداً للكفار الذين قال الله فيهم : * ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) * ووعداً للمطيعين الذين قال الله فيهم : * ( وإن تك حسنة يضاعفها ) * ( النساء : 40 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود : " إقرأ القرآن علي " قال : فقلت يا رسول الله أنت الذي علمتنيه فقال : " أحب أن أسمعه من غيري " قال ابن مسعود : فافتتحت سورة النساء ، فلما انتهيت إلى هذه الآية بكى الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال ابن مسعود فأمسكت عن القراءة . وذكر السدي أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون للرسل بالبلاغ ، والرسول صلى الله عليه وسلم يشهد لأمته بالتصديق ، فلهذا قال : * ( جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) * ( البقرة : 143 ) وحكي عن عيسى عليه السلام أنه قال : * ( وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ) * ( المائدة : 117 ) .