فخر الدين الرازي
106
تفسير الرازي
المسألة الثانية : من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه : كيف بك إذا كان كذا وكذا ، وإذا فعل فلان كذا ، وإذا جاء وقت كذا ، فمعنى هذا الكلام : كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل أمة برسولها ، وأستشهدك على هؤلاء ، يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم . ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم ، وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام : " وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم " . ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم فقال : * ( يؤمئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( الذين كفروا وعصوا الرسول ) * يقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر . لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز ، فوجب حمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر ، إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الاسلام ، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي . لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو * ( تسوى ) * مضمومة التاء خفيفة السين على ما لم يسم فاعله ، وقرأ نافع وابن عامر * ( تسوى ) * مفتوحة التاء مشددة السين بمعنى : تتسوى ، فأدغم التاء في السين لقربها منها ، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله : * ( اطيرنا بك ) * ( النمل : 47 ) * ( وازينت ) * ( يونس : 24 ) * ( ويذكرون ) * ( الأنعام : 26 ) وفي هذه القراءة اتساع ، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ حمزة والكسائي * ( تسوى ) * مفتوحة التاء والسين خفيفة ، حذفا التاء التي أدغمها نافع ، لأنها كما اعتلت بالادغام اعتلت بالحذف . المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير قوله : * ( لو تسوى بهم الأرض ) * وجوها : الأول : لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى . والثاني : يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء . الثالث : تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله : * ( يا ليتني كنت ترابا ) * ( النبأ : 40 ) . المسألة الرابعة : قوله : * ( ولا يكتمون الله حديثا ) * فيه لأهل التأويل طريقان : الأول : أن هذا متصل بما قبله . والثاني : أنه كلام مبتدأ ، فإذا جعلناه متصلا احتمل وجهين : أحدهما : ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما : يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوا ، وعلى هذا القول : الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، الثاني : أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الاسلام ولا يغفر