فخر الدين الرازي
38
تفسير الرازي
" الفعل يدل الزمان " فجوابها أن اللغوي يكفي في علمه تصور المفهوم ، سواء كان حقاً أو باطلاً ، وأما قوله : " يشكل هذا الحد بالأفعال الناقصة " قلنا : الذي أقول به وأذهب إليه أن لفظة كان تامة مطلقاً ، إلا أن الاسم الذي يسند إليه لفظ كان قد يكون ماهية مفردة مستقلة بنفسها مثل قولنا : كان الشيء ، بمعنى حدث وحصل ، وقد تكون تلك الماهية عبارة عن موصوفية شيء لشيء آخر مثل قولنا : كان زيد منطلقاً ، فإن معناه حدوث موصوفية زيد بالانطلاق فلفظ كان ههنا معناه أيضاً الحدوث والوقوع ، إلا أن هذه الماهية لما كانت من باب النسب ، والنسبة يمتنع ذكرها إلا بعد ذكر المنتسبين ، لا جرم وجب ذكرهما ههنا ، فكما أن قولنا : كان زيد ، معناه أنه حصل ووجد ، فكذا قولنا : كان زيد منطلقاً ، معناه أنه حصلت موصوفية زيد بالانطلاق ؛ وهذا بحث عميق عجيب دقيق غفل الأولون عنه ، وقوله : " خامساً : يبطل ما ذكرتم بأسماء الأفعال " قلنا المعتبر في كون اللفظ فعلاً دلالته على الزمان ابتداء لا بواسطة ، وقوله : " سادساً : اسم الفاعل مختص بالحال والاستقبال " قلنا : لا نسلم ، بدليل أنهم قالوا : إذا كان بمعنى الماضي لم يعمل عمل الفعل ، وإذا كان بمعنى الحال فإنه يعمل عمل الفعل . المسألة الثامنة : الكلمة إما أن يكون معناها مستقلاً بالمعلومية ، أو لا يكون ، وهذا الأخير هو الحرف ، فامتياز الحرف عن الاسم والفعل بقيد عدمي ، ثم نقول : والمستقل بالمعلومية إما أن يدل على الزمان المعين لذلك المسمى ، أو لا يدل ، والذي لا يدل هو الاسم ، فامتاز الاسم عن الفعل بقيد عدمي ، وأما الفعل فإن ماهيته متركبة من القيود الوجودية . هل يدل الفعل على الفاعل المبهم : المسألة التاسعة : إذا قلنا : ضرب ، فهو يدل على صدور الضرب عن شيء ما إلا أن ذلك الشيء غير مذكور على التعيين ، بحسب هذا اللفظ ، فإن قالوا : هذا محال ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لو كان كذلك لكانت صيغة الفعل وحدها محتملة للتصديق والتكذيب ، الثاني : أنها لو دلت على استناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر وجب أن يمتنع إسناده إلى شيء معين ، وإلا لزم التناقض ، ولو دلت على استناد الضرب إلى شيء معين فهو باطل ، لأنا نعلم بالضرورة أن مجرد قولنا ضرب ما وضع لاستناد الضرب إلى زيد بعينه أو عمرو بعينه ، والجواب عن هذين السؤالين بجواب واحد ، وهو أن ضرب صيغة غير موضوعة لإسناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر ، بل وضعت لإسناده إلى شيء معين يذكره ذلك القائل فقبل أن يذكره القائل لا يكون الكلام تاماً ولا محتملاً للتصديق والتكذيب ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل .