فخر الدين الرازي

39

تفسير الرازي

المسألة العاشرة : قالوا الحرف ما جاء لمعنى في غيره ، وهذه لفظ مبهم ، لأنهم إن أرادوا معنى الحرف أن الحرف ما دل على معنى يكون المعنى حاصلاً في غيره وحالاً في غيره لزمهم أن تكون أسماء الأعراض والصفات كلها حروفاً ، وإن أرادوا به أنه الذي دل على معنى يكون مدلول ذلك اللفظ غير ذلك المعنى فهذا ظاهر الفساد ، وإن أرادوا به معنى ثالثاً فلا بد من بيانه . المسألة الحادية عشرة : التركيبات الممكنة من هذه الثلاثة ستة : الاسم مع الاسم ، وهو الجملة الحاصلة من المبتدأ والخبر ، والاسم مع الفعل ، وهو الجملة الحاصلة من الفعل والفاعل وهاتان الجملتان مفيدتان بالاتفاق ، وأما الثالث - وهو الاسم مع الحرف - فقيل : إنه يفيد في صورتين . الصورة الأولى : قولك : " يا زيد " فقيل : ذلك إنما أفاد لأن قولنا يا زيد في تقدير أنادي واحتجوا على صحة قولهم بوجهين : الأول : أن لفظ يا تدخله الأمالة ودخول الأمالة لا يكون إلا في الاسم أو الفعل ، والثاني : أن لام الجر تتعلق بها فيقال : " يا لزيد " فإن هذه اللام لام الاستغاثة وهي حرف جر ، ولو لم يكن قولنا يا قائمة مقام الفعل وإلا لما جاز أن يتعلق بها حرف الجر ، لأن الحرف لا يدخل على الحرف ، ومنهم من أنكر أن يكون يا بمعنى أنادي واحتج عليه بوجوه : الأول : إن قوله أنادي إخبار عن النداء ، والأخبار عن الشيء مغاير للمخبر عنه ، فوجب أن يكون قولنا أنادي زيداً مغايراً لقولنا يا زيد ، الثاني : أن قولنا أنادي زيداً كلام محتمل للتصديق والتكذيب وقولنا يا زيد لا يحتملها ، الثالث : أن قولنا يا زيد ليس خطاباً إلا مع المنادى ، وقولنا أنادي زيداً غير مختص بالمنادى . الرابع : أن قولنا يا زيد يدل على حصول النداء في الحال ، وقولنا أنادي زيداً لا يدل على اختصاصه بالحال ، الخامس : أنه يصح أن يقال أنادي زيداً قائماً ، ولا يصح أن يقال يا زيد قائماً ، فدلت هذه الوجوه الخمسة على حصول التفرقة بين هذين اللفظين . الصورة الثانية : قولنا : " زيد في الدار " فقولنا زيد مبتدأ والخبر هو ما دل عليه قولنا في إلا أن المفهوم من معنى الظرفية قد يكون في الدار أو في المسجد ، فأضيفت هذه الظرفية إلى الدار لتتميز هذه الظرفية عن سائر أنواعها ، فإن قالوا : هذا الكلام إنما أفاد لأن التقدير زيد استقر في الدار وزيد مستقر في الدار ، فنقول : هذا باطل ، لأن قولنا استقر معناه حصل في الاستقرار فكان قولنا فيه يفيد حصولاً آخر ؛ وهو أنه حصل فيه حصول ذلك الاستقرار وذلك يفضي إلى التسلسل وهو محال ، ثبت أن قولنا زيد في الدار كلام تام ولا يمكن تعليقه بفعل مقدر مضمر .