فخر الدين الرازي
28
تفسير الرازي
المشتقة ، وذكروا في اشتقاقها وجوهاً عشرة ، وبقي الأمر في هذه الاختلافات موقوفاً إلى الآن وأيضاً فلفظة الإيمان والكفر قد اختلفوا فيهما اختلافاً شديداً ، وكذا صيغ الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، مع أنها أشد الألفاظ شهرة ، وإذا كان الحال كذلك في الأظهر الأقوى فما ظنك بما سواها ؟ والحق أن ورود هذه الألفاظ في أصول هذه الموارد معلوم بالتواتر ، فأما ماهياتها واعتباراتها فهي التي اختلفوا فيها ، وذلك لا يقدح في حصول التواتر في الأصل . المسألة الثامنة والأربعون : منهم من سلم حصول التواتر في بعض هذه الألفاظ في هذا الوقت ، إلا أنه زعم أن حال الأدوار الماضية غير معلوم ، فلعل النقل ينتهي في بعض الأدوار الماضية إلى الآحاد ، وليس لقائل أن يقول : لو وقع ذلك لاشتهر وبلغ إلى حد التواتر ، لأن هذه المقدمة إن صحت فإنما تصح في الوقائع العظيمة . وأما التصرفات في الألفاظ فهي وقائع حقيرة ، والحق أن العلم الضروري حاصل بأن لفظ السماء والأرض والجدار والدار كان حالها وحال أشباهها في الأزمنة الماضية كحالها في هذا الزمان . المسألة التاسعة والأربعون : لا شك أن أكثر اللغات منقول بالآحاد ، ورواية الواحد إنما تفيد الظن عند اعتبار أحوال الرواة وتصفح أحوالهم بالجرح والتعديل ، ثم إن الناس شرطوا هذه الشرائط في رواة الأحاديث ، ولم يعتبروها في رواة اللغات ، مع أن اللغات تجري مجرى الأصول للأحاديث ، ومما يؤكد هذا السؤال أن الأدباء طعن بعضهم في بعض بالتجهيل تارة وبالتفسيق أخرى ، والعداوة الحاصلة بين الكوفيين والبصريين مشهورة ، ونسبة أكثر المحدثين أكثر الأدباء إلى ما لا ينبغي مشهورة ، وإذا كان كذلك صارت رواياتهم غير مقبولة وبهذا الطريق تسقط أكثر اللغات عن درجات القبول ، والحق أن أكثر اللغات قريب من التواتر ، وبهذا الطريق يسقط هذا الطعن . دلالة الألفاظ على معانيها ظنية : المسألة الخمسون : دلالة الألفاظ على معانيها ظنية لأنها موقوفة على نقل اللغات ، ونقل الإعرابات والتصريفات ، مع أن أول أحوال تلك الناقلين أنهم كانوا آحاداً ورواية الآحاد لا تفيد إلا الظن ، وأيضاً فتلك الدلائل موقوفة على عدم الاشتراك ، وعدم المجاز ، وعدم النقل ، وعدم الإجمال ، وعدم التخصيص ، وعدم المعارض العقلي ، فإن بتقدير حصوله يجب صرف اللفظ إلى المجاز ، ولا شك أن اعتقاد هذه المقدمات ظن محض ، والموقوف على الظن أولى أن يكون ظناً ، والله أعلم .