فخر الدين الرازي
29
تفسير الرازي
الباب الثاني في المباحث المستنبطة من الصوت والحروف وأحكامها ، وفيه مسائل كيفية حدوث الصوت : المسألة الأولى : ذكر الرئيس أبو علي بن سينا في تعريف الصوت أنه كيفية تحدث من تموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع ، وأقول : إن ماهية الصوت مدركة بحس السمع وليس في الوجود شيء أظهر من المحسوس حتى يعرف المحسوس به ، بل هذا الذي ذكره إن كان ولا بدّ فهو إشارة إلى سبب حدوثه ، لا إلى تعريف ماهيته . الصوت ليس بجسم : المسألة الثانية : يقال إن النظَّام المتكلم كان يزعم أن الصوت جسم ، وأبطلوه بوجوه : منها أن الأجسام مشتركة في الجسمية وغير مشتركة في الصوت ، ومنها أن الأجسام مبصرة وملموسة أولاً وثانياً وليس الصوت كذلك ، ومنها أن الجسم باقٍ والصوت ليس كذلك ، وأقول : النظام كان من أذكياء الناس ويبعد أن يكون مذهبه أن الصوت نفس الجسم ، إلا أنه لما ذهب إلى أن سبب حدوث الصوت تموج الهواء ظن الجهال به أنه يقول أنه عين ذلك الهواء . المسألة الثالثة : قال بعضهم : الصوت اصطكاك الأجسام الصلبة ، وهو باطل ؛ لأن الاصطكاك عبارة عن المماسة وهي مبصرة ، والصوت ليس كذلك ، وقيل : الصوت نفس القرع أو القلع ، وقيل إنه تموج الحركة ، وكل ذلك باطل ؛ لأن هذه الأحوال مبصرة ، والصوت غير مبصر ، والله أعلم . المسألة الرابعة : قيل سببه القريب تموج الهواء ، ولا نعني بالتموج حركة انتقالية من مبدأ واحد بعينه إلى منتهى واحد بعينه ، بل حالة شبيهة بتموج الهواء فإنه أمر يحدث شيئاً فشيئاً لصدم بعد صدم وسكون بعد سكون ، وأما سبب التموج فإمساس عنيف ، وهو القرع ، أو تفريق عنيف ، وهو القلع ، ويرجع في تحقيق هذا إلى " كتبنا العقلية " . حد الحرف : المسألة الخامسة : قال الشيخ الرئيس في حد الحرف : إنه هيئة عارضة للصوت يتميز بها عن صوت آخر مثله في الخفة والثقل تميزاً في المسموع . حروف المد واللين : المسألة السادسة : الحروف إما مصوتة ، وهي التي تسمى في النحو حروف المد واللين ، ولا يمكن الابتداء بها أو صامتة وهي ما عداها ، أما المصوتة فلا شك أنها من الهيئات العارضة للصوت ، وأما الصوامت فمنها ما لا يمكن تمديده كالباء والتاء والدال والطاء ، وهي لا توجد