فخر الدين الرازي
117
تفسير الرازي
الحجة الخامسة : أن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وذات الله تعالى كذلك ، فيكون شيئاً . واحتج جهم بوجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى : * ( الله خالق كل شيء ) * ( الزمر : 62 ) وكذلك قوله : * ( وهو على كل شيء قدير ) * ( المائدة : 17 ) فهذا يقتضي أن يكون كل شيء مخلوقاً ومقدوراً ، والله تعالى ليس بمخلوق ولا مقدور ، ينتج أن الله سبحانه وتعالى ليس بشيء . فإن قالوا إن قوله تعالى : * ( الله خالق كل شيءٍ ) * وقوله : * ( وهو على كل شيءٍ قدير ) * عام دخله التخصيص ، قلنا الجواب عنه من وجهين : الأول : أن التخصيص خلاف الأصل ، والدلائل اللفظية يكفي في تقريرها هذا القدر ، الثاني : أن الأصل في جواز التخصيص هو أن أهل العرف يقيمون الأكثر مقام الكل ، فلهذا السبب جوزوا دخول التخصيص في العموميات ، إلا أن إجراء الأكثر مجرى الكل إنما يجوز في الصورة التي يكون الخارج عن الحكم حقيراً قليل القدر فيجعل وجوده كعدمه ، ويحكم على الباقي بحكم الكل ، فثبت أن التخصيص إنما يجوز في الصورة التي تكون حقيرة ساقطة الدرجة إذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يكون الله تعالى مسمى بالشيء كان أعظم الأشياء وأجلها هو الله تعالى ، فامتنع أن يحصل فيه جواز التخصيص ، فوجب القول بأن ادعاء هذا التخصيص محال . الحجة الثانية : قوله تعالى : * ( ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ) * ( الشورى : 11 ) حكم الله تعالى بأن مثل مثله ليس بشيء ، ولا شك أن كل شيء مثل لمثل نفسه ، وثبت بهذه الآية أن مثل مثله ليس بشيء ينتج أنه تعالى غير مسمى بالشيء ، فإن قالوا إن الكاف زائدة ، قلنا هذا الكلام معناه أن هذا الحرف من كلام الله تعالى لغو وعبث وباطل ، ومعلوم أن هذا الكلام هو الباطل ، ومتى قلنا إن هذا الحرف ليس بباطل صارت الحجة التي ذكرناها في غاية القوة والكمال . وأما قولنا : إن أسماء الله يجب أن تكون دالة على صفة المدح والجلال ، فالدليل عليه قوله تعالى : * ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) * ( الأعراف : 180 ) والاستدلال بالآية أن كون الأسماء حسنة لا معنى له إلا كونها دالة على الصفات الحسنة الرفيعة الجليلة ، فإذا لم يدل الاسم على هذا المعنى لم يكن