فخر الدين الرازي
118
تفسير الرازي
الاسم حسناً ثم أنه تعالى أمرنا بأن ندعوه بهذه الأسماء ثم قال بعد ذلك * ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) * وهذا كالتنبيه على أن من دعاه بغير تلك الأسماء الحسنة فقد ألحد في أسماء الله ، فتصير هذه الآية دالة دلالة قوية على أنه ليس للعبد أن يدعو الله إلا بالأسماء الحسنى الدالة على صفات الجلال والمدح ، وإذا ثبت هاتان المقدمتان فقد حصل المطلوب . الحجة الرابعة : أنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنه خاطب الله تعالى بقوله يا شيء ، وكيف يقال ذلك وهذا اللفظ في غاية الحقارة ، فكيف يجوز للعبد خطاب الله بهذا الاسم ، بل نقل عنهم أنهم كانوا يقولون : يا منشئ الأشياء ، يا منشئ الأرض والسماء . واعلم أن من الناس من يظن أن هذا البحث واقع في المعنى ، وهذا في غاية البعد ، فإنه لا نزاع في أن الله تعالى موجود وذات وحقيقة ، إنما النزاع في أنه هل يجوز إطلاق هذا اللفظ عليه ، فهذا نزاع في مجرد اللفظ لا في المعنى ، ولا يجري بسببه تكفير ولا تفسيق ، فليكن الإنسان عالماً بهذه الدقيقة حتى لا يقع في الغلط . إطلاق لفظ الموجود على الله : المسألة الثانية : في بيان أنه هل يجوز إطلاق لفظ الموجود على الله تعالى ؟ اعلم أن هذا البحث يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة ، وهي أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك على معنيين : أحدهما : أن يراد بالوجود الوجدان والإدراك والشعور ، ومتى أريد بالوجود الوجدان والإدراك فقد أريد بالموجود لا محالة المدرك والمشعور به ، والثاني : أن يراد بالوجود الحصول والتحقق في نفسه ، واعلم أن بين الأمرين ، فرقاً ، وذلك لأن كونه معلوم الحصول في الأعيان يتوقف على كونه حاصلاً في نفسه ، ولا ينعكس ، لأن كونه حاصلاً في نفسه لا يتوقف على كونه معلوم الحصول في الأعيان : لأنه يمتنع في العقل كونه حاصلاً في نفسه مع أنه لا يكون معلوماً لأحد ، بقي ههنا بحث ، وهو أن لفظ الوجود هل وضع أولاً للإدراك والوجدان ثم نقل ثانياً إلى حصول الشيء في نفسه ، أو الأمر فيه بالعكس ، أو وضعا معاً ؟ فنقول : هذا البحث لفظي ، والأقرب هو الأول ، لأنه لولا شعور الإنسان بذلك الشيء لما عرف حصوله في نفسه ، فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون وضع اللفظ لمعنى الشعور والإدراك سابقاً على وضعه لحصول الشيء نفسه . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إطلاق لفظ الموجود على الله تعالى يكون على وجهين : أحدهما : كونه معلوماً مشعوراً به ، والثاني : كونه في نفسه ثابتاً متحققاً ، أما بحسب المعنى