أبي الفرج الأصفهاني
58
الأغاني
ركاب تلك الدّابة ، وبرقت بارقة فأضاءت وجه الراكب ، فإذا عريب ، فقلت : عريب ؟ قالت : نعم ، حمدون ، قلت : نعم . ثم قتل : من أين أقبلت [ 1 ] في هذا الوقت ؟ قالت : من عند محمد بن حامد ، قلت : وما صنعت عنده ؟ قالت عريب : [ 2 ] يا تكش ، عريب [ 2 ] تجيء من عند محمد بن حامد في هذا الوقت خارجة من مضرب الخليفة وراجعة إليه ، تقول لها : أيّ شيء عملت عنده ؟ صلَّيت معه التراويح ؟ ! أو قرأت عليه أجزاء من القرآن ، أو دارسته شيئا من الفقه ، يا أحمق تعاتبنا ، وتحادثنا ، واصطلحنا ، ولعبنا ، وشربنا ، وغنينا ، وتنايكنا ، وانصرفنا ، فأخجلتني وغاظتني ، وافترقنا ، ومضيت فأدّيت الرّسالة ، ثم عدت إلى المأمون وأخذنا في الحديث وتناشد الأشعار ، وهممت واللَّه أن أحدّثه حديثها ، ثم هبته فقلت : أقدّم قبل ذلك تعريضا بشيء من الشعر ، فأنشدته : ألا حيّ أطلالا لواسعة الحبل [ 3 ] ألوف تسوّى صالح القوم بالرّذل فلو أن من أمسى بجانب تلعة إلى جبلي طيّ فساقطة الحبل جلوس إلى أن يقصر الظَّلّ عندها لراحوا وكلّ القوم منها على وصل فقال لي المأمون : اخفض صوتك لا تسمعك عريب فتغضب ، وتظنّ أنّا في حديثها ، فأمسكت عما أردت أن أخبره ، وخار اللَّه لي في ذلك . تعشق ولا تعشق : حدثني محمد بن أحمد الحكيمي : قال : أخبرني ميمون بن هارون ، قال : قال لي / ابن اليزيدي : حدثني أبي قال : خرجنا مع المأمون في خروجه إلى بلد الرّوم ، فرأيت عريب في هودج ، فلما رأتني قالت لي : يا يزيديّ ، أنشدني شعرا قلته حتى أصنع فيه لحنا [ 4 ] فأنشدتها : ماذا بقلبي من دوام الخفق [ 5 ] إذا رأيت لمعان البرق من قبل الأردنّ أو دمشق لأنّ من أهوى بذاك الأفق فإن فيه وهو أعزّ الخلق عليّ والزّور خلاف الحق [ 6 ] ذاك الذي يملك منّي رقّي ولست أبغي ما حييت عتقي قال : فتنفّست تنفّسا ظننت أن ضلوعها قد تقصّفت منه ، فقلت : هذا واللَّه تنفس عاشق ، فقالت : اسكت يا عاجز [ 7 ] أنا أعشق ، واللَّه لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس ، فادّعاها من أهل المجلس عشرون رئيسا طريقا .
--> [ 1 ] لفظ « أقبلت » من ف . ( 2 - 2 ) تكملة من ف ، ولم نجد لتكش أصلا في العربية . [ 3 ] واسعة الحبل : كناية عن أنها لا ترد يد لامس ، والأبيات الثلاثة في وصف امرأة متهتكة غاية التهتك . وفي « المختار » : « . . . لقاطعة الحبل . . . تساوي صالح القوم بالنذل « . [ 4 ] ب : « أنشدني شعرا قلت حتى أسمع فيه لحنا » . [ 5 ] في « المختار » : « من أليم الخفق » . [ 6 ] هذا البيت من « المختار » . [ 7 ] ف : « يا عاض » والمعضوض محذوف لمعرفته .