أبي الفرج الأصفهاني
57
الأغاني
قال لي الفضل بن العباس بن المأمون : زارتني عريب يوما ومعها عدّة من جواريها ، فوافتنا ونحن على شرابنا ، فتحادثنا ساعة . وسألتها أن تقيم عندي ، فأبت وقالت : دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظَّرف ، وهم مجتمعون في جزيرة المؤيّد ، فيهم إبراهيم بن المدبّر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى بن منارة ، وقد عزمت على المسير إليهم ، فحلفت عليها . فأقامت عندنا ، ودعت بدواة وقرطاس فكتبت : بسم اللَّه الرحمن الرحيم وكتبت بعد ذلك في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة لم تزد عليها ، وهي : أردت ، ولولا ، ولعلي [ 1 ] . / ووجهت به إليهم ، فلما وصلت الرقعة عيّوا بجوابها ، فأخذ إبراهيم بن المدبّر الرقعة ، فكتب تحت أردت : ليت ، وتحت لولا : ماذا ، وتحت لعلي : أرجو . ووجهوا بالرقعة فصفّقت ونعرت [ 2 ] وشربت رطلا وقالت لنا : أأترك هؤلاء وأقعد عندكم ؟ إذا تركني اللَّه من يديه ، ولكنّي أخلَّف عندكم من جواريّ من يكفيكم ، وأقوم إليهم ، ففعلت ذلك وخلَّفت عندنا بعض جواريها ، وأخذت معها بعضهن ، وانصرفت . لها حكم النظام : أخبرنا محمد بن خلف ، عن سعيد بن عثمان بن أبي العلاء ، عن أبيه قال : عتب المأمون على عريب ، فهجرها أياما ، ثم اعتلَّت فعادها ، فقال لها : كيف وجدت طعم الهجر ؟ فقالت : يا أمير المؤمنين ، لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل ، ومن ذمّ بدء الغضب أحمد عاقبة الرضا ، قال : فخرج المأمون إلى جلسائه ، فحدثهم بالقصة ، ثم قال : أترى هذا لو كان من كلام النظام ألم يكن كبيرا [ 3 ] ؟ . لا تريد دخيلا بينها ، وبين المأمون : حدثني محمد بن خلف ، عن أبي العيناء ، عن أحمد بن أبي داود : قال : جرى بين عريب وبين المأمون كلام ، فكلمها المأمون بشيء غضبت منه ، فهجرته . أياما ، قال أحمد بن أبي دواد : فدخلت على المأمون . فقال لي : يا أحمد ، اقض بيننا ، فقالت عريب : لا حاجة لي في قضائه ودخوله فيما بيننا ، وأنشأت تقول : وتخلط الهجر بالوصال لا يدخل في الصّلح بيننا أحد ماذا كانت تفعل في خلوتها مع محمد بن حامد : حدّثني محمد بن خلف قال : حدثني محمد بن عبد الرحمن ، عن أحمد بن حمدون ، عن أبيه ، قال : كنت حاضرا مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الآخرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق ، فقال لي المأمون : اركب الساعة فرس النّوبة وسر إلى عسكر أبي / إسحاق - يعني المعتصم - فأدّ إليه رسالتي في كيت وكيت ، قال : فركبت / ولم تثبت مع شمعة ، وسمعت وقع حافر دابة ، فرهبت ذلك ، وجعلت أتوقّاه ، حتى صكّ ركابي
--> [ 1 ] لعل المراد برموزها : أردت الحضور إليكم ، ولولا أنهم منعوني ما تخلفت ، ولعلي أستطيع الإفلات ، ولعل المراد بروموز بن المدبر : ليت ما أردته نفذ ، وماذا عساهم يفعلون لو تركتهم ، وأرجو تنفيذ ما رجوته . [ 2 ] نعرت نعيرا ونعارا : صاحت : وصوتت بخيشومها . [ 3 ] ف : « كثيرا » . ويريد بالنظام الفيلسوف المعروف عند علماء الكلام .