أبي الفرج الأصفهاني

260

الأغاني

دخل قوم من بني ضبّة على الفرزدق فقالوا له : قبّحك اللَّه من أبن أخت ! قد عرّضتنا لهذا الكلب السفيه - يعنون جريرا - حتى يشتم أعراضنا ، ويذكر نساءنا ، فغضب الفرزدق ، وقال : بل قبّحكم اللَّه من أخوال ! فو اللَّه لقد [ 1 ] شرّفكم من فخري أكثر مما غضّكم من هجاء جرير ، أفأنا ويلكم عرّضتكم لسويد بن أبي كاهل حيث يقول : لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر كما كلّ ضبّيّ من اللؤم أزرق ترى اللؤم فيهم لائحا في وجوههم كما لاح في خيل الحلائب أبلق [ 2 ] أو أنا عرّضتكم للأغلب العجليّ حيث يقول : لن تجد الضّبّيّ إلَّا فلَّا عبدا إذانا ولقوم ذلَّا [ 3 ] / مثل قفا المدية أو أكلَّا حتى يكون الألأم الأقلَّا أو أنا عرّضتكم له حيث يقول : إذا رأيت رجلا من ضبّه فنكه عمدا في سواء السّبّه [ 4 ] إن اليمانيّ عقاص الزّبّه [ 5 ] أو أنا عرضتكم لمالك بن نويرة حيث يقول : ولو يذبح الضّبيّ بالسيف لم تجد من اللؤم للضّبيّ لحما ولا دما ! واللَّه لما ذكرت من شرفكم ، وأظهرت من أيامكم أكثر ، ألست القاتل : وأنا ابن حنظلة الأغرّ وإنني في آل ضبّة للمعمّ المخول فرعان قد بلغ السّماء ذراهما وإليهما من كل خوف يعقل [ 6 ] بنو حرام يخشون لسانه : أخبرنا أبو خليفة ، عن ابن سلام ، عن أبي بكر محمد بن واسع وعبد القاهر قالا : كان [ 7 ] فتى في بني حرام بن سماك شويعر ، قد هجا الفرزدق ، فأخذناه ، فأتينا به الفرزدق ، وقلنا : هو بين يديك ، فإن شئت فاضرب ، وإن شئت فاحلق ، لا عدوى عليك ولا قصاص ، فخلَّى عنه وقال : فمن يك خائفا لأذاة قولي فقد أمن الهجاء بنو حرام هم قادوا سفيههم وخافوا قلائد مثل أطواق الحمام

--> [ 1 ] في هج : « لما شرفكم » بدل « لقد شرفكم » . [ 2 ] الحلائب : خيول السباق ، والأبلق من الخيل ونحوها : ما اجتمع فيه سواد وبياض . [ 3 ] الفل : المنهزم ، للواحد والجمع ، إذانا : مصدر مفعول لفعل محذوف من آذنه إذا أخذ بأذنه ، لأن العبد كان يأخذه النخاس بأذنه ، وفي الأصل « وأقواما ذلا » وقد رجحنا أنها محرفة عن « ولقوم ذلا » . [ 4 ] السواء : الوسط ، السبّة : الدبر . [ 5 ] العقاص : خيط تريط به الضفيرة ، الزّبّة : نرجح أنها إدغام زببه - بالتحريك - جمع زب ، وعلى ذلك يكون المعنى إن دبر اليماني تجمع الأيور كما يجمع الخيط الشعر . [ 6 ] يعقل : يلجأ ويفزع « بالبناء للمجهول » . [ 7 ] تقدم هذا الخبر في الترجمة نفسها .