أبي الفرج الأصفهاني

249

الأغاني

يزيد بن أسيد ، ثم أمر به فلويت عنقه ، ثم أخرجوه ليلا إلى السجن ، فجعل رأسه يتقلب ، والأعوان يقولون له : قوّم رأسك ، فلما أتوا به السّجّان قال : لا أتسلمه منكم ميتا ، فأخذوا المفاتيح منه ، وأدخلوه الحبس ، وأصبح ميتا ، فسمّعوا أنه مصّ خاتمه وكان فيه سم ، فمات ، وتكلم الناس في أمره ، فدخل لبطة بن الفرزدق على أبيه ، فقال : يا بني ، هل كان من خبر ؟ قال : نعم ، عمر بن يزيد مصّ خاتمه في الحبس ، وكان فيه سم ، فمات ، فقال الفرزدق : واللَّه يا بني لئن لم تلحق بواسط ليمص [ 1 ] أبوك خاتمه ، وقال في ذلك : / ألم يك قتل عبد اللَّه ظلما أبا حفص من الحرم العظام [ 2 ] قتيل عداوة لم يجن ذنبا يقطَّع وهو يهتف للإمام قال : وكان عمر عارض خالدا وهو يصف لهشام طاعة أهل اليمن وحسن موالاتهم ونصيحتهم ، فصفّق عمرو بن يزيد إحدى يديه على الأخرى ، حتى سمع له في الإيوان دويّ ، ثم قال : كذب واللَّه يا أمير المؤمنين ، ما أطاعت اليمانية ، ولا نصحت ، أليس [ 3 ] هم أعداؤك وأصحاب يزيد بن المهلب وابن الأشعث ؟ واللَّه ما ينعق ناعق إلا أسرعوا الوثبة إليه ، فاحذرهم يا أمير المؤمنين [ 4 ] قال : فتبين ذلك في وجه هشام [ 4 ] ووثب رجل من بني أمية ، فقال لعمرو بن يزيد : وصل اللَّه رحمك وأحسن جزاءك ، فلقد شددت من أنفس قومك ، وانتهزت الفرصة في وقتها ، ولكن أحسب هذا الرجل سيلي العراق ، وهو منكر حسود ، وليس [ 5 ] يخار لك إن ولى ، فلم يرتدع عمر بقوله ، وظن أنه لا يقدم عليه ، فلما ولى لم تكن له همة غيره ، حتى قتله ، قال : جرير يشفع له : ثم إن مالكا وجّه الفرزدق إلى خالد ، فلما قدم به عليه وجده قد حج ، واستخلف أخاه أسد بن عبد اللَّه على العراق ، فحبسه أسد ، ووافق عنده جريرا ، فوثب يشفع له ، وقال : إن رأى الأمير أن يهبه لي ، فقال أسد : أتشفع له يا جرير ؟ فقال : إن ذلك أذلّ له - أصلحك اللَّه - وكلم أسدا ابنه المنذر ، فخلَّى سبيله ، فقال الفرزدق في ذلك : لا فضل إلا فضل أمّ على ابنها كفضل أبي الأشبال عند الفرزدق [ 6 ] تداركني من هوّة دون قعرها ثمانون باعا للطَّوال العشنّق [ 7 ] / وقال جرير يذكر شفاعته له : وهل لك في عان وليس بشاكر فتطلق عنه عضّ مسّ الحدائد [ 8 ]

--> [ 1 ] « ليمص » كذا في النسخ ، والقياس « ليمصن » بنون التوكيد ، ومراد الفرزدق أنه سيقتل ، ويدعي عليه أنه مص خاتمه ، لا أنه يمص مصا حقيقيا . [ 2 ] أبا حفص : مفعول « قتل » . [ 3 ] اسم ليس هنا ضمير الشان ، وجملة « هم أعداؤك » خبر ليس . ( 4 - 4 ) فتبين ذلك ، أي أثر ذلك الكلام ، والتكملة من هد . [ 5 ] وليس يخار لك : ليس يختار لك ما يرضيك ، والجملة يراد بها التحذير . [ 6 ] البيت من الطويل دخله الخرم ، أبو الأشبال : يراد به أسد بن المنذر ، الجار والمجرور « كفضل » خبر لا ، وأصل التركيب : لا فضل كفضل أبي الأشبال إلا فضل أم على ابنها . [ 7 ] الطوال - بضم الطاء - الطويل ، والعشق : الطويل أيضا ، فهو من باب التكرار للتأكيد . [ 8 ] يريد بالحدائد القيود ، ويلاحظ أن جريرا لم ينس النيل من الفرزدق في بيتيه حتى في مقام الشفاعة له .