أبي الفرج الأصفهاني

225

الأغاني

والحمأة [ 1 ] وجهي ، وملأن عيني وثيابي ، فوقعت على وجهي ، فصرت مشغولا بعيني وما فيها ، وشددن على ثيابهن ، فأخذنها ، وركبت الماجنة بغلتي ، وتركتني منبطحا بأسوأ حال وأخزاها وهي تقول : زعم الفتى أنه لا بد أن ينيكنا ، فما زلت [ 2 ] من ذلك المكان حتى غسلت وجهي وثيابي ، وجففتها ، وانصرفت عند مجيء الظلام إلى منزلي على قدمي ، وبغلتي قد وجهن بها إلى منزلي مع رسول لهن ، وقلن : قل له تقول لك أخواتك : طلبت منّا ما لم يمكننا ، وقد وجهنا إليك بزوجتك ، فنكها سائر ليلتك وهذا كسر [ 3 ] درهم لحمّامك إذا أصبحت ، فكان إذا حدث بهذا الحديث يقول : ما منيت بمثلهن . يهجو من يرثي زيادا : أخبرني عبد اللَّه بن مالك ، قال : حدثنا أبو مسلم الحرّانيّ ، قال : حدثني الأصمعيّ ، قال : حدثنا العلاء بن أسلم ، قال : / لما مات زياد رثاه مسكين الدّراميّ ، فقال الفرزدق : أمسكين أبكى اللَّه عينيك إنما جرى في ضلال دمعها إذ تحدّرا بكيت امرأ من آل ميسان كافرا ككسرى على عدّانه أو كقيصرا [ 4 ] أقول له لمّا أتاني نعيّه به لا بطبي بالصّريمة أعفرا [ 5 ] يهجو ويمدح آل المهلب : أخبرنا عبد اللَّه بن مالك ، عن أبي مسلم الحرّاني ، قال : حدثنا الأصمعي ، قال : حدثنا العلاء بن أسلم ، قال : لما أراد المهلب الخروج إلى الأزارقة [ 6 ] لقي الفرزدق جريرا ، فقال له : يا أبا فراس ، هل لك أن تكلم المهلب ، حتى يضع عني البحث ، وأعطيك ألف درهم ، فكلم المهلب ، فأجابه فلامه جذيع ، رجل من عشيرته ، وشكا ذلك إلى خيرة امرأة المهلب وقال لها : لا يزال الآن الرجل يجيء فيسأل في عشيرته وصديقه ، فلامته خيرة بنت ضمرة القشيرية ، فقال المهلب . إنما اشتريت عرضي منه ، فبلغ ذلك الفرزدق ، فقال يهجو جذيعا . إن تبن دارك يا جذيع فما بنى لك يا جذيع أبوك من بنيان وأبوك ملتزم السفينة عاقد خصييه فوق بنائق التّبّان [ 7 ] ويظلّ يدفع باسته متقاعسا في البحر معتمدا على السّكان [ 8 ]

--> [ 1 ] الحمأة : الطين الأسود الكريه الرائحة . [ 2 ] ما زلت هنا تامة لا خبر لها بمعنى ما انتقلت . [ 3 ] الكسر : القليل . [ 4 ] ميسان : كورة بين البصرة وواسط ، العدان : العهد والزمان ، وانظر « اللسان » ( عدد ) . [ 5 ] الصريمة : القطعة المنعزلة من الرمل ، الأعفر من الظباء : ما يعلو بياضه حمرة ، والمعنى : به الهلاك لا بظبي أعفر ، كأن الظبي خير منه . [ 6 ] الأزارقة : أتباع نافع بن الأزرق من الخوارج . [ 7 ] بنائق : جمع بنيقة ، وهي الزيق يخاط في جيب القميص تثبت فيه الأزرار ، التبان : سراويل يلبسها الملاحون والفلاحون ونحوهم ، يعيره بأن أباه ملاح في سفينة . [ 8 ] التقاعس : بروز الصدر ودخول الظهر في الجسم .