أبي الفرج الأصفهاني
224
الأغاني
الساعة ، فأتاهن امرؤ القيس محتالا كنحو ما أتيتكن ، وهن غوافل ، فأخذ ثيابهن ، فجمعها - ورمى الفرزدق بنفسه عن بغلته فأخذ بعض أثوابهن ، فجمعها ، ووضعها على صدره - وقال [ 1 ] لهن كما أقول لكن : واللَّه لا أعطي جارية منكن ثوبها ، ولو أقامت في الغدير يومها ، حتى تخرج مجردة ، قال الفرزدق : فقالت إحداهن ، وكانت أمجنهن : ذلك كان عاشقا لابنة عمه ، أفعاشق أنت لبعضنا ؟ قال : لا واللَّه ، ما أعشق منكن واحدة ، ولكن أشتهيكن ، قال : فنعرن [ 2 ] ، وصفّقن بأيديهن ، وقلن : خذ في حديثك ، فلست منصرفا إلا بما تحب ، قال الفرزدق في حديث امرئ القيس : فتأبين ذلك عليه حتى تعالى النهار ، ثم خشين أن يقصّرن دون المنزل الذي أردنه ، فخرجت إحداهن ، فوضع لها ثوبها ناحية ! فأخذته فلبسته ، ثم تتابعن / على ذلك حتى بقيت عنيزة ، فناشدته اللَّه أن يطرح إليها ثوبها ، فقال : دعينا منك ؛ فأنا حرام [ 3 ] إن أخذت ثوبك إلا بيدك ، فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة ، فوضع لها ثوبها ، فأخذته ، وأقبلن عليه يلمنه ، ويعذلنه ، ويقلن : عرّيتنا ، وحبستنا ، وجوّعتنا ، قال : فإن نحرت لكنّ مطيتي أتأكلن منها ؟ قلن : نعم ، فاخترط [ 4 ] سيفه ، فعقرها ، ونحرها ، وكشطها ، وصاح بالخدم ، فجمعوا له حطبا ، فأجّج نارا عظيمة ، ثم جعل يقطَّع لهنّ من سنامها وأطايبها وكبدها ، فيلقيها على الجمر ، فيأكلن ، ويأكل معهن ، ويشرب من ركوة [ 5 ] كانت معه ويغنيهن ، وينبذ إلى العبيد والخدم من الكباب ، حتى شبعن ، وطربن ، فلما أراد الرّحيل قالت إحداهن : أنا أحمل طنفسته [ 6 ] ، وقالت الأخرى : أنا أحمل رحله ، وقالت الأخرى : أنا أحمل حشيّته وأنساعه [ 7 ] ، فتقسّمن متاع راحلته بينهن ، وبقيت عنيزة لم يحمّلها شيئا ، فقال لها امرؤ القيس : يا بنة الكرام ، لا بد لك أن تحمليني معك ؛ فإني لا أطيق المشي ، وليس من عادتي ، فحملته على غارب بعيرها ، فكان يدخل رأسه في خدرها ، فيقبّلها ، فإذا امتنعت مال حدجها [ 8 ] ، فتقول : يا مرأ القيس ، عقرت بعيري ، فانزل ، فذلك قوله : تقول وقد مال الغبيط بنا معا : عقرت بعيري يا مرأ القيس فانزل فلما فرغ الفرزدق من الحديث قالت تلك الماجنة : قاتلك اللَّه ، ما أحسن حديثك يا فتى / وأظرفك ، فمن أنت ؟ قال : قلت : من مضر ، قالت : ومن أيها ؟ فقلت : من / تميم ، قالت : ومن أيها ؟ قلت : إلى ههنا انتهى الكلام ، قالت : إخالك واللَّه الفرزدق قلت : الفرزدق شاعر وأنا راوية ، قالت : دعنا من توريتك على نسبك [ 9 ] ، أسألك باللَّه ، أنت هو ؟ قال : أنا هو واللَّه ، قالت : فإن كنت أنت هو [ 10 ] فلا أحسبك مفارقا ثيابنا إلا عن رضا ، قلت : أجل ، قالت : فاصرف وجهك عنا ساعة وهمست إلى صويحباتها بشيء لم أفهمه ، فغططن في الماء ، فتوارين ، وأبدين رؤوسهن ، وخرجن ، ومع كل واحدة منهن ملء كفيها طينا ، وجعلن يتعادين نحوي ، فضربن بذلك الطين
--> [ 1 ] فاعل « قال » ضمير امرئ القيس . [ 2 ] نعرن : صوتن بخياشيمهن أصواتا فيها غنة . [ 3 ] العبارة في معنى القسم ، أو المراد : أنا مرتكب حرام . [ 4 ] اخترط سيفه : سله من غمده . [ 5 ] الركوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء ، أو الدلو الصغيرة . [ 6 ] الطنفسة - بضم الطاء والفاء ، أو فتح الطاء مع كسر الفاء وفتحها ، أو كسر الطاء مع فتح الفاء وكسرها - الوسادة الصغيرة تجعل تحت الرحل . [ 7 ] الأنساع : سيور طويلة عريضة تشد بها الحقائب والرحال . [ 8 ] الحدج : مركب من مراكب النساء ، كالهودج والمحفة . [ 9 ] في هج : « عن نفسك » بدل « على نسبك » . [ 10 ] أنت هنا ليست تأكيدا للتاء ، وإلا لوجب أن يقول : فإن كنت إياه . وإنما جملة « أنت هو » خبر كان .