أبي الفرج الأصفهاني
147
الأغاني
وقالت : أراه بعد عروة لاهيا وذلك رزء لو علمت جليل فلا تحسبي أني تناسيت فقده ولكنّ صبري يا أميم جميل [ 1 ] ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا نديما صفاء مالك وعقيل [ 2 ] أبى الصبر أنّي لا يزال يهيجني مبيت لنا فيما خلا ومقيل [ 3 ] وأني إذا ما الصّبح آنست ضوءه يعادوني قطع عليّ ثقيل [ 4 ] / قال أبو عمرو : فأما أبو جندب أخو أبي خراش فإنه كان جاور بني نفاثة بن عديّ بن الدّيل حينا من الدهر ، ثم إنهم هموا بأن يغدروا به ، وكانت له إبل كثيرة فيها أخوه جنادة ، فراح عليه أخوه جنادة ذات ليلة ، وإذا به كلوم ، فقال له أبو جندب : مالك ؟ فقال : ضربني رجل من جيرانك ، فأقبل أبو جندب ، حتى أتى جيرانه من بني نفاثة ، فقال لهم : يا قوم ، ما هذا الجوار ؟ لقد كنت أرجو من جواركم خيرا من هذا ، أيتجاور أهل الأعراض بمثل هذا ؟ . فقالوا : أو لم يكن بنو لحيان [ 5 ] ، يقتلوننا ، فو اللَّه ما قرّت دماؤنا ، وما زالت تغلي ، واللَّه إنك للثّار المنيم [ 6 ] ، فقال : أما إنه لم يصب أخي إلَّا خير ، ولكنما هذه معاتبة لكم ، وفطن للذي يريد القوم من الغدر به ، وكان بأسفل دفاق [ 7 ] ، فأصبحوا ظاعنين ، وتواعدوا ماء [ 8 ] ظرّ ، فنفذ الرجال إلى الماء ، وأخّروا النساء لأن يتبعنهم إذا نزلوا ، واتخذوا الحياض للإبل ، فأمر أبو جندب أخاه جنادة وقال له : اسرح مع نعم القوم . ثم توقّف ، وتأخّر ، حتى تمرّ عليك النّعم كلَّها ، وأنت في آخرها سارح بإبلك ، واتركها متفرقة في المرعى ، فإذا غابوا عنك فاجمع إبلك ، واطردها نحو أرضنا ، وموعدك نجد ألوذثنيّة [ 9 ] ، في طريق بلاده ، وقال لامرأته أمّ زنباع وهي من بني كلب بن عوف : اظعني وتمكَّثي ، حتى تخرج آخر ظعينة من النساء . ثم توجّهي ، فموعدك ثنيّة يدعان من جانب النخلة ، وأخذ أبو جندب دلوه ، / وورد مع الرجال ، فاتّخذ القوم الحياض ، واتخذ أبو جندب حوضا ، فملأه ماء ، ثم قعد عنده ، فمرّت به إبل ثمّ إبل ، فكلَّما وردت إبل سأل عن إبله فيقولون : قد بلغت ، تركناها بالضّجن [ 10 ] . ثم قدمت النساء كلما قدمت ظعينة سألها عن أهله ، فيقولون : بلغتك ، تركناها تظعن ، حتى إذا ورد آخر النّعم
--> [ 1 ] في « المختار » : « تحسبي أنى تناسيت عهده » . [ 2 ] مالك وعقيل هما نديما جذيمة الأبرش ، وبهما يضرب المثل في التلازم وطول الألفة ، وإليهما يشير متمم بن نويرة بقوله بعد أن قتل خالد بن الوليد أخاه مالك بن نويرة . وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا [ 3 ] الصبر مفعول ، والمصدر المؤول فاعل ، المبيت : موضع البيت ، المقيل : موضع القيلولة ، يقول : نفى الصبر عني تذكر عشرته القديمة وطول مدتها ، وفي « المختار » : « أبى الصير أني لا أزال بمهجتي » . [ 4 ] القطع : انقطاع النفس وضيقه . [ 5 ] يشيرون إلى حادثة سيأتي ذكرها . [ 6 ] الثأر المنيم : الذي إذا أدرك استراح صاحبه ، ونام . [ 7 ] دفاق : مكان . [ 8 ] ظر : في « القاموس » : ماء ، وفي « معجم البلدان » : ماء ظراء « بالفتح والمد » . [ 9 ] في هد « الودنية » وفي هج « الوثنية » ، والمثبت من ف . [ 10 ] ف « الصحن » تحريف . والضجن : واد في بلاد هذيل بتهامة .