أبي الفرج الأصفهاني
121
الأغاني
وأجمل موت المرء إذ كان ميتا - ولا بد يوما - موته وهو صابر فلا يبعدن الشّنفري وسلاحه ال حديد وشدّ خطوه متواتر [ 1 ] إذا راع روع الموت راع وإن حمى حمى معه حرّ كريم مصابر [ 2 ] رواية أخرى في مقتله : قال : وقال غيره : لا بل كان من أمر الشنفري وسبب أسره ومقتله أنّ الأزد قتلت الحارث بن السّائب الفهميّ ، فأبوا أن يبوؤا [ 3 ] بقتله ، فباء بقتله رجل منهم يقال له حزام بن جابر قبل ذلك ، فمات أخو الشنفري ، فأنشأت أمه تبكيه ، فقال الشنفري ، وكان أوّل ما قاله من الشعر : ليس لوالدة هوءها ولا قولها لابنها دعدع [ 4 ] تطيف وتحدث أحواله وغيرك أملك بالمصرع [ 5 ] قال : فلما ترعرع الشنفري جعل يغير على الأزد مع فهم : فيقتل من أدرك منهم ، ثم قدم منّى وبها حزام بن جابر ، فقيل له : هذا قاتل أبيك [ 6 ] ، فشدّ عليه فقتله ، ثم سبق الناس على رجليه فقال : قتلت حزاما مهديا بملبّد ببطن منّى وسط الحجيج المصوّت [ 7 ] قال : ثم إن رجلا من الأزد أتى أسيد بن جابر ، وهو أخو حزام المقتول فقال : تركت الشنفري بسوق [ 8 ] حباشة ، فقال أسيد بن جابر : واللَّه لئن كنت صادقا لا نرجع / حتى نأكل من جنى أليف أبيدة [ 9 ] ، فقعد له على الطريق هو وابنا حزام ، فأحسّوه في جوف الليل وقد نزع نعلا ولبس نعلا ليخفى وطأه ، فلما سمع الغلامان وطأه قالا : هذه الضّبع ، فقال أسيد : ليست الضّبع ، ولكنه الشنفري ، ليضع كل واحد منكما نعله على مقتله ، حتى إذا رأى سوادهم نكص مليّا لينظر هل يتبعه أحد ، ثم رجع حتى دنا منهم ، فقال الغلامان : أبصرنا ، فقال عمهما : لا واللَّه ما أبصركما ، ولكنه أطرد ؛ لكيما تتبعاه ، فليضع كلّ واحد منكما نعله على مقتله . فرماهم الشنفري فخسق [ 10 ] في النعل ولم يتحرك المرميّ ، ثم رمى فانتظم ساقي أسيد ، فلما رأى ذلك أقبل حتى كان بينهم ، فوثبوا عليه ، فأخذوه
--> [ 1 ] وشد معطوف على سلاحه ، والمراد بالشد الحملة على الأعداء ، متواتر : يتلو بعضه بعضا . [ 2 ] فاعل « راع » الثانية يعود على الشد أو السلاح ، والمعنى إذا أفزع فزع الموت الناس أفزعهم سلاحك أو شدك ، وإن حمى هذا أو ذاك حريما حمى معه كريم صابر ، يعني الشنفري نفسه . [ 3 ] يقال : باء بقتله : أقربه . [ 4 ] البيت من المتقارب دخله الخرم ، والهوء : الهمة والرأي ، دعدع : أمر من دعدع بمعنى جرى ، أي ، ليس للأم أن تفكر في ثأر ابنها ، أو أن تأمر أخاه بالسعي في ذلك . [ 5 ] « تطيف وتحدث أحواله » : لعل المراد أنها لا تفتأ تطيف بابنها ، وتجدد أحوال إثارته على قتل أخيه ، وقوله : « وغيرك أملك بالمصرع » التفات ، أي ، كفي عن هذا ، فغيرك أدرى بمصارع الرجال . [ 6 ] تقدم أن الميت أخوه لا أبوه ، وقد يكون المراد بهذا الأب الحارث بن السائب الفهمي ، وعلى كل فالعبارة لا تخلو من التواء . [ 7 ] مهديا : مقدما الهدي في الحج ، الملبد : مكان التلبيد ، وكان من عاداتهم في الحج أن يدهنوا شعورهم بشيء من الصمغ لتتلبد ، المصوت : الذي يجهر بالدعاء ونحوه ، وفي ف ، هد : « المحصب » ، والمحصب : الذي يرمي الجمار ، وبالفتح : مكان رميها . [ 8 ] سوق حباشة : سوق كانت معروفة عند العرب . [ 9 ] أبيدة : اسم مكان كان قريبا - على ما يبدو - من سوق حباشة ، وفي هامش هد : « من صعارير أبيدة » . والصعارير : حمل شجرة يكون مثل الأبهل والفلفل وغيره مما فيه صلابة . [ 10 ] خسق في النعل : أصاب السهم النعل ، وأخطأ الهدف .