أبي الفرج الأصفهاني

113

الأغاني

مقته : قال أبو عمر الشّيباني : لا بل كان من شأن تأبط وهو ثابت بن جابر بن سفيان ، وكان جريئا شاعرا فاتكا أنه خرج من أهله بغارة من قومه ، يريدون بني صاهلة بن كاهل بن الحارث بن سعيد بن هذيل ، وذلك في عقب شهر حرام ممّا كان يحرّم أهل الجاهلية ، حتى هبط صدر أدم [ 1 ] ، وخفض عن جماعة بني صاهلة ، فاستقبل التّلاعة ، فوجد بها دارا من بني نفاثة بن عدي ، ليس فيها إلا النساء ، غير رحل واحد ، فبصر الرجل بتأبط وخشية ، وذلك في الضّحى ، فقام الرجل إلى النساء ، فأمرهنّ فجعلن رؤوسهن جمما وجعلن دروعهن أردية ، وأخذن من بيوتهن عمدا كهيئة السيوف فجعلن لها حمائل ، ثم تأبطنها ثم نهض ونهضن معه يغريهن كما يغري القوم ، وأمرهن أن لا يبرزن خدّا ، وجعل هو يبرز للقوم ليروه ، وطفق يغري ويصيح على القوم ، حتى أفزع تأبّط شرّا وأصحابه وهو على ذلك يغري [ 2 ] . في بقية ليلة أو ليلتين من الشّهر الحرام ، فنهضوا في شعب يقال له شعب وشل [ 3 ] ، وتأبط ينهض في الشعب مع أصحابه ، ثم يقف في آخرهم ، ثم يقول : يا قوم لكأنما يطردكم النساء ، فيصيح عليه أصحابه فيقولون : انج أدركك القوم ، وتأبى نفسه ، فلم يزل به أصحابه حتى مضى معهم فقال تأبّط في ذلك : أبعد النّفاثيين أزجر طائرا وآسى على شيء إذا هو أدبرا [ 4 ] أنهنه رجلي عنهم وإخالهم من الذّلّ يعرا بالتّلاعة أعفرا ولو نالت الكفّان أصحاب نوفل بهمهمة من بين ظرء وعرعرا / قال : ثم طلعوا الصدر حين أصبحوا فوجدوا أهل بيت شاذّ من بني قريم ذنب نمار [ 5 ] فظل يراقبهم حتى أمسوا ، وذلك البيت لساعدة بن سفيان أحد بني حارثة بن قريم ، فحصرهم تأبط وأصحابه حتى أمسوا . قال : وقد كانت قالت وليدة لساعدة : إني قد رأيت اليوم القوم أو النفر بهذا الجبل ، فبات الشيخ حذرا قائما بسيفه بساحة أهله . وانتظر تأبط وأصحابه أن يغفل الشيخ ، وذلك آخر ليلة من الشهر الحرام فلما خشوا أن يفضحهم الصبح ، ولم يقدروا على غرّة مشوا إليه وغرّوه ببقية الشهر الحرام ، وأعطوه من مواثيقهم ما أقنعه ، وشكوا إليه الجوع ، فلما اطمأن إليهم وثبوا عليه فقتلوه وابنا له صغيرا حين مشى . قال : ومضى تأبط شرا إلى ابن له ذي ذؤابة ، كان أبوه قد أمره فارتبأ [ 6 ] من وراء ماله ، يقال له : سفيان بن ساعدة . فأقبل إليه تأبط شرّا مستترا بمجنّة ، فلما خشي الغلام أن يناله تأبّط بسيفه وليس مع الغلام سيف ، وهو مفوّق سهما ، رمى مجنّ تأبط بحجر ، فظن تأبط أنه قد أرسل سهمه ، فرمى مجنّة عن يده ، ومشى إليه فأرسل الغلام سهمه فلم يخط لبّته حتى خرج منه السهم ، ووقع في البطحاء حذو القوم ، وأبوه ممسك ، فقال أبو الغلام [ 7 ] حين وقع السهم : أخاطئه سفيان ؟

--> [ 1 ] أدم : اسم موضع . [ 2 ] أي وهو مع توجسه يغري أصحابه بالاقتحام . [ 3 ] وشل : اسم جبل ، واسم أيضا لموضعين . [ 4 ] تقدمت أيضا هذه الأبيات في الترجمة نفسها . [ 5 ] نمار ككتاب : اسم جبل ، وكغراب : اسم واد ، وذنب ظرف مكان بمعنى أسفل ، أو لعلها محرفة عن جنب . [ 6 ] ارتبأ : اختبأ وراء ربيئة ؛ هضبة مرتفعة . [ 7 ] تقدم أن أبا الغلام قد قتل ، فلعل المراد أنه قال وهو يحتضر ، أخاطئة سفيان ؟ : استفهام عن الرمية .