ابن جبير
304
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
وتذكرنا قول الله عز وجل ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون وأبصرنا فيما أبصرناه مجلسا في ساحة فسيحة قد أحدق بها بستان وانتظمت جوانبها بلاطات والمجلس قد أخذ استطالة تلك الساحة كلها فعجبنا من طوله وإشراف مناظره فأعلمنا انه موضع غداء الملك مع أصحابه وتلك البلاطات والمراتب حيث تقعد حكامه وأهل الخدمة والعمالة أمامه فخرج إلينا ذلك المستخلف يتهادى بين خديمين يحفان به ويرفعان أذياله فأبصرنا شيخا طويل السبلة أبيضها ذا أبهة فسألنا عن مقصدنا وعن بلدنا بكلام عربي لين فأعلمناه فأظهر الاشفاق علينا وأمر بانصرافنا بعدا ن أحفى في السلام والدعاء فعجبنا من شأنه وكان أول سؤاله لنا عن خبر القسطنطينية العظمى وما عندنا منه فلم يكن عندنا ما نعمله به وقد نقيد خبرها بعد هذا وكان من أغرب ما شاهدناه من الأمور الفتانة ان أحد من كان قاعدا عند باب القصر من النصارى قال لنا عند انصرافنا عن القصر المذكور تحفظوا بما عندكم يا حجاج من العمال الممسكين لئلا يقعوا عليكم وظن أن عندنا تجارة تقتضى التمكيس فاستجاب له أحد النصارى فقال ما أعجب أمرك يدخلون حرم الملك ويخافون من شيء ما كنت أود لهم الا آلافا من الرباعيات انهضوا بسلام لا خوف عليكم فقضينا عجبا مما شاهدناه وسمعناه وخرجنا إلى أحد الفنادق فنزلنا فهي وذلك يوم السبت السادس عشر للشهر المبارك والثاني والعشرين لدجنبر وفي خروجنا من القصر المذكور سلكنا بلاطا متصلا مشينا فيه مسافة طويلة وهو مسقف حتى انتهينا إلى كنيسة عظيمة البناء فأعلمنا ان ذلك البلاط ممشى الملك إلى هذه الكنيسة